شلال الدم في أنتاركتيكا يخفي عالمًا غريبًا تحت الجليد

12 يوليو 2026
12 مشاهدة
0 اعجاب

شلال الدم في أنتاركتيكا يخفي عالمًا غريبًا تحت الجليد



في قارة أنتاركتيكا المتجمدة، داخل وادي ماكموردو الجاف في أرض فيكتوريا، يظهر نهر تايلور الجليدي كأنه ينزف دمًا. إذ يتدفق منه شلال مياه حمراء ينساب وسط الجليد.


اكتشف الجيولوجي الأسترالي غريفيث تايلور هذا الشلال عام 1911. لعل أكثر ما يثير الدهشة ليس لونه الدموي، ولا حالته السائلة وسط الجليد، بل العالم الخفي داخله تحت الجليد. 


مصدر لون شلال الدم الأحمر


عندما اكتُشف شلال الدم أول مرة، افتُرض أن الطحالب الحمراء هي المسؤولة عن لونه، لكن ليس في الشلال طحالب، ولا دماء طبعًا.


يقول التفسير العلمي إن شلالات الدم هي نتيجة تدفق بطيء لمياه مالحة غنية بالحديد، ظلت محبوسة تحت الطرف الشمالي لنهر تايلور الجليدي لمدة 1.5 مليون سنة على الأقل، بعد أن عُزل جيب قديم من مياه البحر عندما تقدم النهر الجليدي. 


ومع مرور الوقت زادت ملوحة المياه أكثر فأكثر، إلى درجة أصبح من الأدق وصفها بأنها محلول ملحي شديد التركيز، ولم تعد تتجمد عند درجات الحرارة المعتادة.


عندما تصل هذه المياه إلى السطح، تلتقي بالأكسجين ويتأكسد الحديد فيها، تمامًا كما يحدث للصدأ،  ومن هنا يأتي لونها الأحمر.


كيف يبقى ماء الشلال سائلًا وسط الجليد؟


اتضح أن الملوحة العالية للمحلول الملحي تخفض نقطة تجمده بما يكفي ليظل سائلًا حتى درجات متدنية. والأهم، أنه عندما يتجمد جزء منه، يطلق حرارة تدفئ الجليد المحيط، ما يساعد على إبقاء القناة مفتوحة إلى السطح.


كيف شق شلال الدم طريقه إلى السطح؟


عام 2017، تمكن فريق بقيادة باحثين من جامعة ألاسكا فيربانكس من تتبع مسار شلال الدم، مستخدمين الرادار لرسم خريطة مسار طوله 300 متر عبر شبكة خفية من القنوات المضغوطة داخل النهر الجليدي. لكن الدليل الميداني المباشر على آلية الاندفاع لم يتوفر إلا في دراسة لاحقة.


في سبتمبر 2018، كان لدى فريق بقيادة عالم الأرض بيتر دوران من جامعة ولاية لويزيانا -وبمحض المصادفة تقريبًا- ثلاث أدوات مختلفة تعمل في الوقت نفسه بالقرب من نهر تايلور الجليدي: محطة GPS تراقب سطح النهر الجليدي، وكاميرا تلتقط صورًا يومية لشلالات الدم، وسلسلة من مجسات قياس الحرارة داخل البحيرة الواقعة أسفلها.


لم يكن أي من هذه الأجهزة مصممًا خصيصى لرصد حدث تدفق المحلول الملحي، لكن هذا التوافق التصادفي للمشاهدات، مكّن العلماء من تسجيل الحدث بدقة.


خلال الأسابيع التالية، هبط سطح النهر الجليدي بنحو 15 مليمترًا، وتباطأت حركته الأمامية بنحو 10%. وفي الوقت ذاته، سجلت البحيرة شذوذًا مفاجئًا في المياه الباردة، في حين التقطت الكاميرا انتشار بقع حمراء جديدة في شلال الدم بصورة شبه يومية.


لاحظ العلماء أيضًا تغير النهر الجليدي بشكل ملحوظ مع خروج المحلول الملحي. وخلصوا إلى أنه مع تراكم الضغط في المحلول الملحي المحبوس تحت النهر الجليدي، فإنه يفرض طريقه إلى الخارج على شكل دفعات، وكل دفعة تُحدث تغيرًا يمكن قياسه في الجليد الذي يعلوها، فتخفض سطحه وتبطئ حركته، قبل أن تعود الدورة إلى بدايتها بهدوء ويبدأ الضغط بالتراكم من جديد.


العالم الخفي تحت الجليد


في مياه شلال الدم على عمق مئات الأمتار تحت الجليد، وبمعزل عن ضوء الشمس والأكسجين وبقية العالم منذ أكثر من مليون سنة، يعيش مجتمع كامل من البكتيريا بهدوء، مستخدمًا الكبريتات مصدرًا رئيسيًا ووحيدًا للطاقة.


استغرق الأمر من عالمة الأحياء الدقيقة جيل ميكوتشي، العاملة الآن في جامعة تينيسي، عدة سنوات للحصول على عينة صالحة من المياه، وعندما نجحت أخيرًا، كشف التحليل عن نظام بيئي ميكروبي مزدهر.


تعد شلالات الدم موضوعًا رئيسيًا لأبحاث علم الأحياء الفلكي، إذ تمثل نموذجًا واقعيًا لما قد تبدو عليه البيئات الجليدية القاسية والفقيرة بالأكسجين في أماكن أخرى من النظام الشمسي.



المصادر:


الكاتب

زينب غسان أحمد

زينب غسان أحمد
تدقيق

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة