طالبة دكتوراه تخلق غبارًا كونيا في المختبر مستخدمة الغاز و10,000 فولت من الكهرباء
تمكنت طالبة دكتوراه من كلية الفيزياء في جامعة سيدني من إعادة خلق الغبار الكوني في المختبر، ما يسهّل دراسة طريقة تشكل المكونات الكيميائية الأساسية للحياة قبل فترة طويلة من نشوء الحياة على الأرض.
يُقصد بالغبار الكوني حبيبات ضئيلة من المواد الصلبة تطفو في الكون، ويصعب قليلًا إيجاده على كوكب الأرض، فمن مصادره ما نجمعه من النيازك الدقيقة في أماكن سقوطها في القارة القطبية الجنوبية، أو جمع هذه الجسيمات من الطبقات العليا للغلاف الجوي.
توضح وكالة ناسا: «منذ مايو 1981، بدأت الهيئة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا) باستخدام الطائرات لجمع جسيمات الغبار الكوني من الطبقة الثانية للغلاف الجوي (ستراتوسفير). يُستعاد بعدها كلّ من هذه الجسيمات على حدة لفحصها وتصنيفها وتوفيرها للمجتمع العلمي لأغراض الدراسة».
ومن الطرق الأخرى للحصول على الغبار الكوني جمعه على متن المركبة الفضائية وتحليله (كما في محلل الغبار على مركبة كاسيني الفضائية)، أو من بعثات جمع العينات (مثل بعثة ناسا السابقة ستار داست التي لم تحظ بالاهتمام الذي تستحقه). وتُعد دراسة الغبار الكوني مهمة جدًا لفهمنا للحياة والكون نظرًا لدوره الفعال في كليهما.
توضح ناسا: «الغبار الكوني أساسي لوظائف الكون، لأنه يؤمن بيئة واقية للنجوم في بداية تكوينها، ويصبح أيضًا جزءًا من الكواكب، وقد يحتوي على المركبات العضوية التي أدت دورًا أساسيًا في نشوء الحياة كما نعرفها، أي أن هذا الغبار سيؤدي بالنهاية إلينا».
لدينا الآن طريقة تمكننا من إعادة إنتاج نظائر الغبار الكوني في المختبر، وذلك بفضل طالبة دكتوراه في فيزياء البلازما والمواد ليندا لوزردو، إذ استعملت خليطًا من النيتروجين وثاني أكسيد الكربون وغاز الأستيلين لمحاكاة البيئة المحيطة بالنجوم وبقايا المستعر الأعظم (سوبرنوفا). وبعد ذلك عرّضت الخليط لطاقة كهربائية عالية، فأنتجت هذه التجربة حبيبات غنية بالكربون، شبيهة في تكوينها للغبار الكوني الفعلي الذي يجوب الكون ويوجد بداخل المذنبات والكويكبات.
بحسب فريق الدراسة، تشكّل النظائر المصنّعة في المختبر وسيلةً مهمةً جدًا لفهم البيئات الكيميائية المعقدة التي يحتمل أن تؤدي إلى تكوين غبار كوني غني بالكربون، وقد حاولت كثير من الدراسات السابقة إعادة إنتاج مختلف خصائص الغبار الكوني، لكن قلّة من هذه التجارب شملت التعقيد الكيميائي في عينات غبار النظام الشمسي كالمواد العضوية الموجودة في المذنبات والنيازك الكربونية الحبيبية (التي تشكلت منذ بداية الكون).
تمكّن فريق الدراسة من تصنيع خليط معقد من الكربون والهيدروجين والأكسجين والنتروجين التي تعد من العناصر الأساسية للحياة (المعروفة بجزيئات CHON)، وذلك باستخدام مفاعل بلازما يعتمد على تقنية التفريغ الكهربائي عبر حاجز عازل (DBD).
تقول لوزردو: «لا نحتاج بعد الآن إلى انتظار قدوم المذنبات أو الكويكبات إلى الأرض لفهم تاريخهما. نستطيع اليوم محاكاة بيئات نظيرة في المختبر واستنتاج بنيتها الجزيئية بطريقة الهندسة العكسية اعتمادًا على البصمات الطيفية للأشعة تحت الحمراء. وقد تمنحنا هذه التجربة فهمًا عميقًا حول الغبار الكوني الكربوني وكيفية تشكله في البلازما المنبعثة من النجوم العملاقة الأكبر عمرًا، أو في الحواضن الكونية حيث تولد النجوم وتسهم في نشر هذه الجزيئات الخلابة التي قد تصبح أساسيةً للحياة. كانت هذه التجربة بمثابة إعادة خلق جزء بسيط من الكون في أنبوب اختبار».
عند تعريض الخليط لجهد كهربائي مقداره 10,000 فولت مدة ساعة، انقسمت هذه الجزيئات عن بعضها لتشكل بنية جزيئية أكثر تعقيدًا، ثم استقرت على شكل طبقة رقيقة من الغبار. وعند فحص أطياف الغبار الكوني المُصنَّع، توصل الفريق إلى استنتاج أن نظائر الغبار أعطت أطيافًا شبيهة جدًا بالغبار الكوني الفعلي.
أضاف البروفيسور ديفيد ماكينزي المشارك في الدراسة: «بتصنيع الغبار الكوني في المختبر، أصبح بإمكاننا استكشاف شدة تصادمات الأيونات ودرجات الحرارة المصاحبة عند تكوّن الغبار في الفضاء، وهو ما يُعد مهمًا لفهم البيئات داخل سحب الغبار الكوني، حيث يُعتقد أن كيمياء الحياة بدأت بالظهور أول مرة.
ويساعد هذا أيضًا على تخمين ما مرت به أجزاء المذنبات أو الكويكبات في فترة حياتها، فالتوقيع الكيميائي يعد سجلًا لرحلتها، وتجارب مثل هذه تساعدنا على تعلم قراءة هذا السجل».
يخطط الفريق لبناء قاعدة بيانات لأطياف الغبار الكوني المصنّع التي يمكن مقارنتها لاحقًا بالغبار الكوني الفعلي، ومن ثم مساعدتنا على فهمٍ أفضل لعملية تكوينه. وقد تساعدنا دراسة الغبار الكوني بعمق على زيادة معرفتنا حول أصول الحياة، وبوجود نظائر الغبار الكوني في المختبر، من الممكن أن تصبح هذه المهمة أسهل قليلًا.
المصادر:
الكاتب
رؤيا عبد الودود عبد العزيز
تدقيق
محمد حسان عجك
