عالم مفقود من الموجات الثقالية يكشف أصول الثقوب السوداء
تظل الثقوب السوداء من بين أكثر الأجرام غموضًا وإثارةً للحيرة في الكون، إذ كشفت لنا مراصد الموجات الثقالية خلال السنوات العشر الأخيرة على تشكيلة مذهلة من هذه الأجسام: ثقوب سوداء عملاقة تفوق كتلتها ما كنا نظنه ممكنًا، وأخرى تدور بسرعات هائلة، وأيضًا أزواج من الثقوب السوداء غير متكافئة إلى حد أن مثل تفسيرها تحديًا للعلماء.
لكن قد أصبح الآن بحوزة علماء الفيزياء الفلكية ما يكفي من بيانات الرصد، بفضل الإصدار الأحدث لبيانات الموجات الثقالية الذي نشره تعاون ليغوـ فيرغوـ كارغا، يخول لهم تجاوز الحالات الفردية الشاذة، والشروع في عملية إحصاء حقيقي لجموع الثقوب السوداء. وعلى ما يبدو فإن الكون يضم نطاقًا واسعًا من طرق تشكل الثقوب السوداء، كما توحي بذلك الصورة الصادرة عن هذا الإحصاء.
وقد وضح ذلك عالم الفيزياء الفلكية شاران باناغيري من جامعة موناش: «تعطي هذه المجموعة التي تضم نحو 400 حدث رصد للموجات الثقالية من مرصدي ليجو وفيرجو، إشارةً واضحةً على أن اندماج الثقوب السوداء الثنائية التي نرصدها يجري وفقًا لطرق مختلفة».
«فقد يتشكل بعضها من سحابة غازية ضخمة تنهار لتفضي إلى نجمين فائقي الكتلة يصبحان فيما بعد ثقوبًا سوداء. وبعضها الآخر قد يكون عبارة عن ثقوب سوداء متجولة يلتقي بعضها ببعض في بيئات شديدة الكثافة تسمى «العناقيد النجمية» المكتظة بالنجوم. في حين تنتج مجموعة أخرى من عمليات اندماج جيل سابق من الثقوب السوداء».
تُعد دراسة الثقوب السوداء مطلبًا غايةً في الصعوبة، فهي تتكون من مادة مكدسة بكثافة هائلة تجعل لها قوة جاذبية كبيرة لدرجة أنها تسبب انحناء نسيج الزمكان حولها، مشكلةً بذلك منطقةً لا يستطيع حتى الضوء الإفلات منها. ولما كان الضوء هو الأداة الرئيسة التي نستعملها لفهم الكون، فإن هذا يجعل الثقوب السوداء عصيةً على أفضل طرق الرصد التي نمتلكها، لكن مع ذلك، لا تزال هناك بعض الحقائق التي نعرفها عن هذه الأجسام.
غالب الظن أن الثقوب السوداء تتشكل من الانهيار الثقالي لأنوية النجوم الضخمة التي تتجاوز كتلتها عتبةً معينة، إذ تنضغط كتلة هائلة من المادة في حيز صغير جدًا، ما يجعل قوة الجاذبية فيه تطغى على كل قوة أخرى معروفة.
نُشر اكتشاف علمي عام 2015، شكل قفزةً نوعيةً في علم الثقوب السوداء. فقد كان المرة الأولى التي ترصد فيها البشرية الموجات الثقالية، وهي تموجات في نسيج الزمكان تنتج من تصادم زوج من الثقوب السوداء، تشبه إلى حد بعيد التموجات التي تنشأ عند رمي حصاة صغيرة في بركة ماء.
منذ هذا السبق العلمي، تطورت قدرتنا على رصد الموجات الثقالية بدرجة كبيرة، حتى أن مجموع الأحداث المرصودة قد وصل في أحدث فهرس للموجات الثقالية إلى 390 حدثًا، يعود أغلبها إلى تصادم أزواج الثقوب السوداء. تعطي هذه البيانات عند حسابها في المتوسط 40 رصدًا كل سنة.
في هذا الصدد، قال عالم الفيزياء الفلكية ماكسيميليانو إيسي من معهد فلاتيرون التابع لمؤسسة سايمونز بالولايات المتحدة: «أصبح بين أيدينا الآن، بفضل هذا الفهرس، ما يكفي من البيانات لاستخلاص خصائص الثقوب السوداء، ما يعيننا على الوصول إلى منشئها».
«أصبحنا قادرين على رسم خريطة لتوسع الكون عبر تاريخه، ما يمثل سؤالًا ذا أهمية كبيرة في علم الكونيات الآن لا إجابة عنه بعد».
يجري تحليل كل إشارة رصدت للموجات الثقالية من أجل استخراج خصائص الثقوب السوداء المسؤولة عنها. وتشمل هذه الخصائص كتلتي الثقبين المتصادمين، وقيمتي الدوران الخاص بهما، وأيضا القيم التقديرية لكتلة وخاصية الدوران الخاصة بالثقب الأسود الأكبر حجمًا الذي نتج عن التصادم.
يحتوي الفهرس الجديد على جملة من النتائج المهمة، يشمل ذلك عدة أرقام قياسية جديدة، إذ يضم أوضح إشارة لثقب أسود رصدت حتى الآن، والتي أتاحت إجراء اختبارات جديدة في الفيزياء النظرية. تحمل هذه الإشارة رمز GW 250114 في الفهرس. توجد كذلك إشارة أخرى تحمل الرمز GW 240615dg، سجلت رقمًا قياسيًا جديدًا لأفضل تحديد لموقع الرصد في السماء حُقق على الإطلاق. لكن على الرغم من هذه الأرقام، تتضاءل أهمية كل هذه الأحداث الفردية أمام ما تكشفه لنا بيانات الإحصاء.
يظهر التحليل الإحصائي أن كتل الثقوب السوداء تميل إلى التكتل في مجموعتين رئيستين: الأولى عند 10 كتل شمسية، والثانية عند 35 كتلة شمسية. ويرجح أن المجموعة الأولى ناتجة عن نجوم ثنائية طبيعية تطورت معًا، أما المجموعة الثانية فيصعب تفسيرها اعتمادًا على التطور النجمي الاعتيادي وحده.
غير أنه توجد تيارات أخرى تشير إلى أن هذه الأجسام العملاقة قد تكون في الواقع ثقوبًا سوداء من الجيل الثاني، تنامت كتلتها نتيجة تصادم سابق بين ثقوب سوداء أصغر حجمًا. يطلق على هذه السلسلة من التصادمات اسم الاندماج التراتبي.
ولما كان التصادم قادرًا على أن يخلف وراءه بقايا تدور بسرعات عالية، فإن هذا الدوران الفائق الذي يتجاوز التوقعات يعد بمثابة بصمة تدل على حدوث هذه الاندماجات التراتبية.
«إن أحد أكثر الأمور إثارةً للدهشة التي اكتشفناها بشأن هذه الثقوب السوداء الجديدة هو أنها تدور حول نفسها بسرعة فائقة، فإن الشمس مثلًا التي تدور حول نفسها مرة كل 25 يومًا، إذا ما تحولت إلى ثقب أسود وأخذت في الدوران بالسرعة ذاتها التي تدور بها الثقوب السوداء المكتشفة حديثًا، لدارت حول نفسها آلاف المرات في الثانية الواحدة».
يتوقع عمومًا أن تمتلك الثنائيات التي تطورت معا كتلًا متقاربة، ما يعني أن التصادم الناتج عن ثنائية شديدة الاختلاف من حيث الكتلة، قد يشير أيضًا إلى أن العملية تتضمن ثقبًا أسود نتج من اندماج سابق.
يظهر مبدئيًا من خلال الفهرس الأخير أن هذا هو الاحتمال الأكثر ترجيحًا، ما سيزداد وضوحًا مع الوقت، فقد أسفرت جولة الرصد الأولى التي أجراها مرصد ليجو عن ثلاثة أحداث في غضون أربعة أشهر، أي بمعدل حدث رصد واحد كل ستة أسابيع تقريبًا. أما جولة الرصد الأخيرة فقد وصلت إلى نحو ثلاثة إلى أربعة أحداث رصد في الأسبوع.