علماء الفلك يرصدون جزيء كبريت معقد في الفضاء بين النجمي

10 مارس 2026
14 مشاهدة
0 اعجاب

علماء الفلك يرصدون جزيء كبريت معقد في الفضاء بين النجمي


 

 

في تطور علمي لافت في مجال الكيمياء الفلكية، أعلن علماء الفلك عن رصد أكبر جزيء يحتوي على عنصر الكبريت في الفضاء بين النجوم خارج نطاق كوكب الأرض حتى الآن، وهو إنجاز علمي يحمل أبعادًا عميقة تتعلق بفهم نشأة المركبات العضوية المعقدة وإمكانية ارتباطها بالأصول الأولى للحياة. يُعرف هذا الجزيء باسم الثاييبين (Thiepine)، ويُطلق عليه كيميائيًا 2.5-سيكلوهكساداين-1-ثيون (C₆H₆S)، وهو مركب هيدروكربوني حلقي يتضمن ذرة كبريت ضمن بنيته الجزيئية ويُعرف بإمكانية تكونه عبر تفاعلات كيميائية حيوية.


جاء هذا الاكتشاف نتيجة دراسة السحابة الجزيئية المعروفة بالرمز G+0.693–0.027، وهي منطقة نشطة في تشكل النجوم تقع على مسافة تُقدر بنحو 27 ألف سنة ضوئية من الأرض بالقرب من مركز مجرة درب التبانة. وقد تمكن فريق بحثي مشترك من معهد ماكس بلانك لفيزياء الفضاء الخارجي (MPE) ومركز البيولوجيا الفلكية (CAB) التابع لمؤسستي CSIC وINTA الإسبانيتين من رصد هذا الجزيء المعقد للمرة الأولى في الفضاء بين النجوم. واعتمد الباحثون في تأكيد وجوده على منهجية مزدوجة جمعت بين الرصد الفلكي عالي الدقة والتجارب المخبرية المتخصصة، ما أتاح التحقق من وجود جزيء يتكون من ست ذرات في حلقة كربونية ويبلغ مجموع ذراته ثلاث عشرة ذرة ضمن بيئة فضائية تشبه السدم الغازية والغبارية التي تنشأ منها الأنظمة النجمية الحديثة.


في الجانب العملي، خلّق الفريق العلمي الجزيء داخل المختبر بتعريض مركب الثيوفينول السائل (C₆H₅SH)، وهو مركب هيدروكربوني وثيق الصلة بالثاييبين إلى تفريغ كهربائي بلغت شدته ألف فولت، وهي تقنية تُستخدم لمحاكاة الظروف الطاقية العالية المشابهة للفضاء. ثم استُخدم مطياف صُمم خصيصًا لهذا الغرض لقياس الإشعاعات الكهرومغناطيسية المنبعثة في نطاق الترددات الراديوية من الجزيئات الناتجة. وقد أتاحت هذه الخطوة الحصول على ما يُعرف بالبصمة الطيفية المميزة لجزيء الثاييبين، التي جرت مقارنتها لاحقًا بالبيانات الرصدية التي جمعها علماء مركز البيولوجيا الفلكية باستخدام التلسكوبين الراديويين IRAM بقطر 30 مترًا وYebes بقطر 40 مترًا في إسبانيا، ما وفر تطابقًا علميًا دقيقًا بين النتائج المخبرية والمشاهدات الفلكية.


قبل هذا الاكتشاف كان نطاق الجزيئات الكبريتية المرصودة في الفضاء بين النجوم يقتصر على مركبات صغيرة لا يتجاوز عدد ذراتها ست ذرات، وهي جزيئات تُعد ذات أهمية حيوية نظرًا إلى دورها في تكوين البروتينات والإنزيمات داخل الأنظمة البيولوجية. إلا أن الجزيئات الكبريتية الأكبر حجمًا، مثل الثاييبين، ظلت لسنوات طويلة خارج نطاق الرصد المباشر، ما أوجد فجوة معرفية بين التركيب الكيميائي للمركبات العضوية التي عُثر عليها في النيازك وبين الكيمياء المرصودة فعليًا في الوسط بين النجمي. يكتسب هذا الاكتشاف أهميته الإضافية من حقيقة أن البنية الجزيئية للثاييبين تُظهر تشابهًا واضحًا مع جزيئات عُثر عليها في عينات نيزكية، ما يعزز فرضية وجود مسار كيميائي مشترك بين المواد العضوية في الفضاء وتلك التي تصل إلى الكواكب عبر النيازك.


علق الباحث ميتسونوري أراكي، المؤلف الرئيس للدراسة، المنتسب إلى معهد ماكس بلانك، بأن هذا الرصد يُعد أول دليل قاطع على وجود جزيء كبريتي معقد ذي بنية حلقية في الفضاء بين النجوم، واصفًا إياه بأنه خطوة أساسية لفهم الروابط الكيميائية التي قد تصل بين الوسط الكوني ولبنات البناء الأولية للحياة. من جانبه أشار الباحث المشارك في الدراسة فاليريو لاتانزي، إلى أن نتائج البحث تبرهن على وجود جزيء مكون من 13 ذرة يشبه في بنيته الجزيئية مركبات رُصدت سابقًا في المذنبات، وذلك داخل سحابة جزيئية شابة لم تتكون فيها نجوم بعد، ما يدل على أن الأساس الكيميائي اللازم لظهور الحياة قد يتشكل في مراحل مبكرة جدًا من تاريخ السحب الكونية، أي قبل ولادة النجوم نفسها.


تفتح هذه النتائج المجال أمام افتراض علمي مفاده أن الفضاء بين النجوم قد يحتوي على عدد كبير من الجزيئات الكبريتية المعقدة التي لم تُكتشف بعد بسبب محدودية أدوات الرصد الحالية أو تعقيد بصماتها الطيفية. ينسجم هذا الاكتشاف مع دراسات حديثة صادرة عن جامعة آرهوس ومعهد البحوث النووية، أظهرت إمكانية تكوّن الببتيدات، وهي سلاسل جزيئية تُعد من المكونات الجوهرية في تكوين البروتينات، تلقائيًا في الفضاء بين النجوم دون الحاجة إلى بيئات كوكبية تقليدية.


على هذا فإن مجمل هذه المعطيات العلمية يشير إلى أن الأصول الكيميائية للحياة قد تكون ذات منشأ كوني واسع الانتشار، وأن المواد الأولية اللازمة لظهور الأنظمة البيولوجية ليست حكرًا على الكواكب فحسب، بل قد تكون موزعة في أرجاء الفضاء على نطاق أوسع بكثير مما كان يُعتقد في السابق، ما يعيد تشكيل فهم العلماء للعلاقة بين الكيمياء الكونية ونشأة الحياة في الكون.



المصادر:


الكاتب

طيبة غازي

طيبة غازي
تدقيق

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين
ترجمة

طيبة غازي

طيبة غازي
مراجعة

براءة ذويب

براءة ذويب



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة