سابقة فيزيائية: علماء صينيون يبتكرون ألماسًا سداسيًا نادرًا أصلب من الألماس الطبيعي!
تمكن مجموعة من الباحثين في الصين من ابتكار ما يزعمون أنها أولى العينات من الألماس السداسي النقي، وهو طبقًا للنظرية، نوع نادر من الألماس فائق الصلابة يوجد في النيازك التي تنتج من تحطم الكواكب القزمة.
يُعد الألماس الطبيعي، الذي يُعرف أيضًا باسم الألماس المكعب، المادة الطبيعية الأصلب على وجه الأرض. وهذا أمر معروف منذ زمن بعيد لدرجة أن مقياس موهس للصلابة الذي يقيس صلابة المعادن ومدى مقاومتها للخدش، يضع الألماس في أعلى مستوى.
يرجع السبب في تسمية هذا النوع من الألماس باسم الألماس المكعب إلى التنسيق الدقيق لذرات الكربون الذي يتخذ شكل بنية تكعيبية. أما فيما يخص الألماس السداسي، فتنتظم ذرات الكربون المُشكِّلة له في شبكة تتكون من مضلعات سداسية تشبه خلية النحل.
معدن مراوغ
وضع باحثون في مركز أبحاث بيتسبورغ عام 1962، نظرية تفيد بأنه يمكن لطبقات ذرات الكربون التي تُشكِّل الألماس أن تنتظم في شبكة سداسية بدلًا من الشبكة التكعيبية، وذلك بسبب طبيعة الروابط التي يُكونها الكربون مع ذرات الكربون الأخرى. وقد اكتشف العلماء عام 1967 هذا الألماس السداسي، الذي يُعرف أيضا باسم اللونسداليت، في المختبر، وهم يشتبهون في كونه أصلب من الألماس المكعب.
انطلقت بعدها محاولات البحث عن هذا الألماس في نيازك اليوريليت، نوع فريد من النيازك غني بالألماس، يتشكل من غلاف الكواكب القزمة المحطمة. وقد وُثِّقت أولى عمليات رصد الألماس السداسي في الطبيعة في ورقة بحثية عام 1967، إذ عُثر عليه بنسبة 30%، في نيازك كانيون ديابلو التي نتجت من بقايا كويكب صنع فوهةً ضخمة في أريزونا، في حين أن 70% الباقية من تركيبة النيزك هي للألماس المكعب. اكتُشفت كذلك نسبة صغيرة من الألماس السداسي في نيازك غولبارا التي عُثر عليها في ولاية آسام بالهند.
لا يتفق الجميع على أن اللونسداليت الذي عُثر عليه في نيازك كانيون ديابلو موجود حقيقةً، إذ يظن بعض الباحثين أن هذا الألماس السداسي الذي رُصد قد يُفسَّر أيضا بأنه مجرد ألماس مكعب تالف انتظم بشكل فوضوي، وهم لم يقتنعوا بأنه قد عُثر عليه في الأبحاث السابقة الأخرى. غير أن مجموعةً من الدراسات الحديثة قد رصدت مرة أخرى وجود اللونسداليت في نيازك وعينات مخبرية جديدة، منها دراسة أُنجزت عام 2025، نجحت في إنتاج كميات صغيرة منه في المختبر.
يكمن التحدي الأكبر في عملية تمييز اللونسداليت في الافتقار إلى عينات نقية، فهو يكون في كثير من الحالات، مختلطًا بالألماس المكعب والجرافيت ومجموعة من المعادن الأخرى، ما يجعل مهمة إجراء اختبارات على خصائصه الفريدة وقياسها صعبةً جدًا، بل ربما مستحيلة. إلا أن الدراسة الجديدة، المنشورة في مجلة نيتشر، عالجت هذه المشكلة عندما أعلنت إنتاج عدة عينات نقية من الألماس السداسي يبلغ قطرها نحو 1.5 مليمتر، ما يعطيها حجمًا كافيا يسمح للعلماء بقياس خصائصها المادية.
وجد الفريق أن الألماس السداسي أصلب من الألماس المكعب، ويقاوم عملية الأكسدة بدرجة أكبر. من ثم يمكنه تحمل درجات عالية من الحرارة دون أن يفسد سطحه بسبب تفاعله مع الأكسجين، وهو أمر بالغ الأهمية خصوصًا فيما يتعلق بالتطبيقات العملية للألماس.
أول دليل على وجود الألماس السداسي
تُقدم الدراسة دليلًا جوهريًا على أن الألماس السداسي مادة حقيقية: «تؤكد التحليلات البنيوية والطيفية التي أُجريت على العينات، إضافةً إلى عمليات محاكاة الديناميكا الجزيئية واسعة النطاق، هوية الألماس السداسي دون لبس».
لإنتاج العينات، عرض الباحثون عينة من الجرافيت عالي التنظيم -إشارة إلى الترتيب الدقيق لذرات الكربون- إلى ضغط يصل إلى 20 جيغاباسكال، أي نحو 200,000 ضعف الضغط الجوي عند مستوى سطح البحر، مدة 10 ساعات كاملة، إضافةً إلى تعريضه إلى درجات حرارة تتراوح بين 1300 و1900 درجة مئوية. لوحظ أنه عند درجات حرارة أعلى، يبدأ اللونسداليت بالتحول إلى الألماس المكعب.
يتمتع الألماس السداسي بإمكانيات كبيرة لتجويد العمليات والأدوات التي تعتمد حاليًا على الألماس المكعب، من قبيل أدوات الحفر والتقطيع، وطلاءات التلميع الكاشطة، وعمليات تبديد الحرارة في الإلكترونيات. أيضًا فإن وجوده في النيازك قد يخبرنا الكثير عن كيفية تشكلها ومصدرها، ما يزودنا بمعلومات إضافية عن النظام الشمسي. صرح عالم الفيزياء في جامعة (Zhengzhou) تشونغ شين شان: «يوجد العديد من التطبيقات المحتملة التي يمنحها الألماس السداسي في مجالات عدة، مثل أدوات التقطيع ومواد الإدارة الحرارية والاستشعار الكمي».
وفقًا لمؤلفي الدراسة، فإن هذا العمل يعطي «إستراتيجية عملية لإنتاج الألماس السداسي بكميات كبيرة»، ما يمهد الطريق لإنتاج عينات أكبر، ويفتح الباب أمام المزيد من الاستطلاعات العلمية والتطبيقات الصناعية التي لم تعد مقيدةً بحدود صلابة الألماس المكعب.