غوتنبرغ واختراعه الذي غير التاريخ: ثورة الطباعة في أوروبا خلال عصر النهضة
كان وصول المطبعة ذات الحروف المعدنية إلى أوروبا في خمسينيات القرن الخامس عشر الميلادي، حدثًا عظيمًا طويل الأمد، إذ اشتُهر الطابع الألماني يوهانس جوتنبرج خلال فترة (1398 - 1486م) بطبعه لنسخة من الكتاب المقدس عام 1556 ميلاديًا.
أصدرت المطابع -إلى جانب الأعمال الدينية والكتب- جميع أنواع النصوص التي تضمنت كتب الإصلاح الديني والروايات الرومانسية. وازداد عدد الكتب الدينية وأصبحت تكلفتها منخفضة، لذلك أصبح الناس يقرؤون الكتب أكثر من أي وقت مضى.
انتقلت هذه الأفكار عبر أوروبا، عندما نشر العلماء أعمالهم الخاصة، وردودهم على النصوص القديمة إضافةً إلى السجالات بينهم.
صادرت السلطات الحاكمة مثل الكنيسة الكاثوليكية بعض هذه الكتب، ووصل بهم الأمر إلى حرق بعضها. لكن ردود العامة تجاه الكتب والقراءة كانت قد تغيرت للأبد.
من أهم نتائج انتشار الطباعة في أوروبا:
- زيادة كبيرة في عدد الكتب المنتجة مقارنةً بالأعمال المكتوبة يدويًا.
- زيادة الوصول إلى الكتب نتيجة انخفاض التكلفة.
- زيادة عدد المؤلفين.
- انتشار الكسب من طريق الكتابة.
- زيادة استخدام اللغات الدارجة بدلًا من اللغة اللاتينية في الكتب.
- تراجع الأمية.
- الانتشار السريع للأفكار المتعلقة بالدين والتاريخ والعلوم، وغير ذلك من المجالات.
- تدقيق النصوص القانونية القديمة.
- سهولة انتقال التوجيهات من الحكام إلى التابعين.
- إنشاء مكتبات عامة.
- وجود رقابة على الكتب من قبل السلطات.
غوتنبرغ وفكرة اختراع الطباعة
عادةً يُنسب اختراع الطابعة ذات الحروف المعدنية المتحركة في أوروبا إلى الألماني يوهانس غوتنبرغ. لكن ظهرت عدة ادعاءات نسبت هذا الاختراع إلى الطابع الهولندي لورنس يانزون كوستر في الفترة نحو (1370 - 1440م) إضافةً إلى طابعين ألمان آخرين في وقت لاحق أمثال يوهانس فوستر (1400 - 1465م) وصهره بيتر شوفر سنة (1502 - 1425م).
ظهرت دلائل على أن طابعة الحروف المعدنية اختُرعت في كوريا خلال الفترة (1392 - 918 م). إذ طبع العلماء البوذيون الصينيون أعمالهم الدينية باستخدام مطابع الحروف ذاتها والألواح الخشبية القديمة خلال عهد سلالة يونغ (1279 - 960 م).
اختلف العلماء على توقيت نشأة الفكرة، هل انتشرت بواسطة التجار والرحالة من آسيا إلى أوروبا، أم كانت مجرد فكرة عفوية من غوتنبرغ؟ في النهاية، ولأنها مثل معظم التقنيات التكنولوجية في التاريخ، يرجَّح أن هذه الفكرة نشأت من تراكم الخبرات والأفكار، والحاجة إلى المشاركة على مر الزمان والمكان.
بدايات غوتنبرغ مع الطباعة
بدأ غوتنبرغ تجاربه في الطباعة في وقت ما من أربعينيات القرن الخامس عشر. وتمكن من وضع الأسس في ماينز عام 1450م. إذ صنع كل حرف على كتلة معدنية مع قاعدة من قالب نحاسي ثم ملأه بالمعدن المصهور. كان يرتب كل قطعة على حدة داخل إطار ثم يغطيها بالحبر اللزج. ظهر نجاح هذه التجربة من خلال طباعة نسخة لاتينية من الكتاب المقدس عام 1456م.
تطور نوع آخر من الطباعة في ذلك الوقت في أماكن أخرى، بواسطة اثنين من الألمان هما أرنولد بانارتز -الذي توفي عام 1476م- وشريكه كونراد سوينهايم -أو شفينهايم- الذي توفي عام 1477م. إذ أسسا مطبعتهما الجديدة في دير بنديكتين في مدينة سبياكو عام 1465م وكانت هذه أول مطبعة من النوع الجديد في إيطاليا. ثم انتقلت أعمالهما إلى روما عام 1467م ثم إلى البندقية عام 1469م.
رغم ذلك النجاح، وُجدت العديد من المشكلات، منها نقص الجودة مقارنةً بالكتب المصنوعة يدويًا والمخطوطات الملونة الجميلة. إضافةً إلى بعض الأخطاء في المطبوعات.
هل استمرت الكتب المصنوعة يدويًا بعد اختراع المطبعة؟
بالفعل تزايد الطلب على الكتب من قِبل رجال الدين والعديد من الجامعات والمدارس، التي ظهرت في جميع أنحاء أوروبا في أواخر العصور الوسطى. في الواقع عانى صانعو الكتب التقليديون في مهمتهم في النصف الأول من القرن الخامس عشر الميلادي وتابعوا عملهم بإصدارات ذات جودة منخفضة في كثير من الأحيان.
كان أحد العوامل الرئيسية لاختراع الطباعة هو كثرة الطلب على الكتب الدينية. إذ كان يُسمح بالوصول إلى المخطوطات في المكتبات الخاصة والأديرة فقط. لذلك واجه الطابعون بعض الصعوبات مثل عدم إيجاد نسخ العديد من النصوص، ما دفعهم إلى السفر مسافات طويلة للوصول إليها.
على هذا، انتشرت الأعمال الدينية والكتب المدرسية في المطابع طوال القرن الخامس عشر. ومن الجدير بالذكر أن الكتب المصنوعة يدويًا واصلت الصدور حتى بعد ظهور المطبعة. ورغم تطور التقنيات، ظل بعض الناس يعتقدون أن الكتب المطبوعة بجودة ضعيفة لن تلقى رواجًا حقيقيًا.
أهمية الطباعة في محو الأمية
بفضل الطباعة، توفرت العديد من الأعمال المقروءة للناس مقارنةً بمحدودية القراءة في السابق. إذ كان الناس العاديون لا يملكون سوى إعلانات الكنائس لقراءتها. وفرت المطبعة كل الإمكانيات الجديدة والجذابة مثل الكتيبات الإعلامية، وأدلة السفر، والمجموعات الشعرية، والروايات الرومانسية، وتاريخ الفن والعمارة، وكتب الطبخ، والوصفات الطبية، والخرائط، والملصقات، والرسوم الكرتونية والنوتات الموسيقية. ومن الجدير بالذكر أن الكتب المطبوعة لم تكن رخيصة مقارنةً بمستوى الدخول لكنها لم تتجاوز ثمن الكتب المصنوعة يدويًا.
مع تنوع مواد الطباعة وانخفاض تكلفتها، أصبح لدى جميع الناس -خصوصًا الذين لم يمكنهم القراءة سابقًا- دافع حقيقي لها. وأدى ذلك إلى ارتفاع معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة. أيضًا، كان محو الأمية دافعًا حقيقيًا لطباعة الكتب، وأُنتج بالفعل أعمال أمكن استخدامها لتعليم الناس القراءة والكتابة. في نهاية العصور الوسطى، كان واحد فقط من كل عشرة أشخاص قادرًا على قراءة النصوص الطويلة، ومع ظهور الطباعة واصل هذا الرقم الارتفاع.
انتشار الكتب والمعلومات
جاءت دفعة جديدة من الكتب المطبوعة مع انتشار الحركات الإنسانية واهتمامها بإحياء الأدب القديم اليوناني والروماني. واستفاد من هذا الطلب المتزايد طابعان من دولتين مختلفتين، هما الفرنسي نيكولاس ينسن (1420 - 1480 م) والإيطالي ألدوس مانوتيوس (1452 - 1515 م). إذ ابتكر ينسن أنواعًا جديدة من الخطوط في مطبعته الكائنة في البندقية، شمل ذلك الخط الروماني سهل القراءة والخط اليوناني الذي يشبه نصوص المخطوطات.
طُبع أكثر من 70 كتابًا في سبعينات القرن الخامس عشر الميلادي. منها كتاب التاريخ الطبيعي لبلينيوس عام 1472م وأضاف إلى بعض الكتب بعض الرسومات والزخارف اليدوية لاستعادة جودة الكتب القديمة المصنوعة يدويًا بالكامل.