قد تعزز الساعة البيولوجية فوائد التمارين الرياضية!
ينطلق بعض الناس عند السادسة صباحًا بنشاط ويبدؤون يومهم مباشرةً، في حين يفضل آخرون الاستيقاظ في وقت متأخر لأن إنتاجيتهم تبلغ ذروتها بعد الظهر أو في المساء.
يرجع هذا الاختلاف إلى النمط الزمني، أي الميل البيولوجي لتفضيل أوقات معينة من اليوم للنوم والاستيقاظ والنشاط، لكن النمط الزمني لا يؤثر في هذه العوامل فحسب. فثمة أبحاث متزايدة تشير إلى أن نمطك الزمني قد يؤثر أيضًا في الفوائد التي تجنيها من ممارسة التمارين الرياضية.
الأشخاص الذين يستيقظون طبيعيًا في وقت مبكر ويشعرون بأعلى درجات اليقظة صباحًا يُسمَّون أصحاب النمط الصباحي، أما الذين يفضلون الاستيقاظ المتأخر ويعملون بكفاءة أكبر بعد الظهر أو في المساء فهم أصحاب النمط المسائي، وأما الذين يقعون بينهما فهم أصحاب النمط المتوسط.
يُحدد نمطك الزمني بواسطة الإيقاعات اليومية، وهي دورات طبيعية تتكرر كل 24 ساعة تقريبًا، ورغم تأثرها الشديد بالبيئة فإنها تعمل حتى في غياب المؤثرات الخارجية مثل الضوء والطعام، وتؤثر هذه الإيقاعات في وظائف الجسم وسلوكه وصحته.
يتحكم في هذه الإيقاعات النظام اليومي الداخلي، وهو شبكة من الساعات البيولوجية الدقيقة المكونة من بروتينات موجودة في الأعضاء والأنسجة، وتعتمد هذه الساعات على جينات تنسق توقيت العمليات المختلفة مثل الشعور باليقظة أو النعاس، إضافةً إلى التأثير في وظائف أخرى عديدة منها ضغط الدم ومعدل ضربات القلب وتنظيم سكر الدم ووظيفة الأوعية الدموية.
ولما كانت هذه العوامل تتأثر أيضًا بالنشاط البدني، فقد يفسر ذلك فائدة مواءمة وقت التمرين مع نمطك الزمني الطبيعي.
تدعم بعض الدراسات هذا الطرح، إذ تشير إلى أن توقيت ممارسة الرياضة يؤثر في النتائج الصحية، متضمنةً اللياقة القلبية التنفسية وتقليل خطر أمراض القلب والأوعية والسمنة وبعض أنواع السرطان.
غير أن هذه الدراسات كانت تعتمد على الملاحظة، أي إنها تُظهر ارتباطًا لا علاقة سببية مؤكدة، ومن ثم لا يمكن الجزم بأن توقيت التمرين هو السبب الوحيد لهذه النتائج.
أجريت تجربة سريرية عشوائية حديثة لدراسة ما إذا كانت مواءمة وقت التمرين مع النمط الزمني قد تعزز فوائد الرياضة، وركز الباحثون فيها على أشخاص معرضين لخطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية.
جرى تقسيم المشاركين وفقًا لنمطهم الزمني الذي حُدد عبر استبيان متخصص.
مارس أصحاب النمط الصباحي التمارين الرياضية بين الساعة 8–11 صباحًا، وأصحاب النمط المسائي مارسوا التمارين الرياضية بين 6–9 مساءً. وتدربت مجموعة ثالثة في وقت مخالف لنمطها، إذ تدرب الصباحيون مساءً، والمسائيون صباحًا.
أظهرت النتائج أنّ المشاركين الذين توافقت أوقات تدريبهم مع نمطهم الزمني حققوا تحسنًا أكبر في ضغط الدم والتمارين الهوائية ومستويات الغلوكوز والكوليسترول وجودة النوم مقارنةً بمن تدربوا في أوقات لا تتماشى مع نمطهم.
مع ذلك فإن فوائد مواءمة التمارين الرياضية مع النمط الزمني لا تعني أن التدريب في الوقت غير الموافق للنمط الزمني دون جدوى. إذ إن جميع المجموعات استفادت صحيًا ما يؤكد أن الرياضة نافعة في كل الأحوال.
لم تشمل الدراسة الأشخاص ذوي الأنماط المتوسطة الذين يمثلون نحو 60% من البالغين. لدى هؤلاء قد يكون توقيت التمرين أقل أهمية.
اعتمادًا على الدراسة الحالية، فإن مزامنة التمارين الرياضية مع النمط الزمني للشخص تظهر فوائد ملحوظة، وبالأخص الصباحيون والمسائيون.
كيف يعرف المرء نمطه الزمني؟
غالبًا ما يكون لدى الناس إحساس فطري بذلك، بناءً على أوقات نومهم واستيقاظهم الطبيعية، لكن ضغوط العمل أو مسؤوليات الرعاية قد تفرض روتينًا يتعارض مع هذا النمط، ما يجعل تحديده أصعب بمرور الوقت.
لهذا السبب أنشأ الباحثون استبيانًا من 19 سؤالًا يساعد على تحديد النمط الزمني ويتضمن: في أي وقت تشعر أنك في ذروة نشاطك؟ وما مدى سهولة استيقاظك صباحًا؟
فور وضوح نمطك، يمكنك التفكير في توقيت التدريب الأمثل.
لكن النمط الزمني ليس العامل الوحيد المؤثر في الاستجابة للتمارين الرياضية، وهو خبر جيد لمن لا يستطيع مواءمة تدريباته مع نمطه الزمني.
فمثلًا، تبلغ درجة حرارة الجسم ذروتها عادةً بعد الظهر بصرف النظر عن النمط الزمني، ما يعزز وظيفة العضلات، لهذا يكون الأداء في القوة والسرعة والتنسيق أفضل غالبًا في فترة بعد الظهر، وهو وقت مثالي لتدريبات المقاومة لمعظم الأشخاص.
يمكن لاعتياد وقت التدريب أن يغير الأداء مع الزمن، فحتى ذوي النمط المسائي يتحسنون في التدريب الصباحي إذا داوموا عليه بانتظام.
النوم أيضًا عامل مهم جدًا، إذ تشير الأبحاث إلى أنّ التمرين في وقت مبكر من اليوم أفضل لأن الرغبة بالنوم تتزايد تدريجيًا منذ الاستيقاظ وتبلغ ذروتها قبل النوم، ما يجعل التمرين مساءً أصعب ويضعف الأداء. أما ممارسة التمارين الرياضية في وقت متأخر من المساء فقد يقلل من جودة النوم خصوصًا إذا كان شديدًا، لذلك ينصح بترك فاصل لا يقل عن ساعتين بين التمرين وموعد النوم.
ختامًا، لا يوجد وقت واحد مثالي لممارسة التمارين الرياضية، لكن الأدلة المتزايدة تشير إلى أن مواءمة وقت التمرين مع نمطك الزمني قد تمنحك فوائد صحية أكثر وتساعدك على الأداء بشكل أفضل.
على أي حال فإن ممارسة أي تمرين خير من لا شيء مهما كان توقيته.
إذا كنت من محبي السهر ولا يمكنك التمرين إلا في الصباح فالإحماء ضروري، ارتدِ ملابس إضافية وابدأ بـ 10-15 دقيقة من التمارين الهوائية الخفيفة لرفع درجة حرارة جسمك تدريجيًا وزيادة تركيزك.
أما إذا كانت التدريبات المسائية هي خيارك الوحيد فاختر أنشطة متوسطة أو منخفضة الشدة -مثل اليوغا أو الهرولة- لتجنب اضطرابات النوم.