كيفية إيقاف كويكب قاتل!
في أواخر الشهر الماضي، وفي وضح النهار، شاهد سكان ماساتشوستس وما حولها وميضًا لامعًا في السماء، تلاه دويان صوتيان هزا النوافذ واهتزت المنازل بسببهما، ما أدى إلى تدفق مكالمات الطوارئ. ظن بعض الناس أنهم شهدوا للتو زلزالًا، وظن آخرون أنه كان رعدًا أو انفجارًا أو تحليقًا عسكريًا.
لكن المصدر الحقيقي لكل هذه الضجة كان خارج هذا العالم، حرفيًا. إذ دخل نيزك صغير، يبلغ عرضه خمسة أقدام ويزن ما يعادل وزن فيل، الغلاف الجوي بسرعة مذهلة بلغت 42,000 ميل في الساعة قبل أن يتفتت على ارتفاع عشرات الأميال فوق الأرض. أطلق الانفجار في الجو موجة ضغط تعادل 230 إلى 300 طن من مادة تي إن تي. ومن المرجح أن أي شظايا نجت سقطت في خليج كيب كود.
منذ ذلك الحين، أثارت هذه الحادثة اهتمام الجمهور الأمريكي، الذي أصبح أكثر ولعًا بالفضاء من المعتاد، خاصة بعد النجاح الأخير لمهمة أرتميس 2. لكنها أيضًا كانت تذكيرًا صارخًا بأن الفضاء ليس آمنًا أو فارغًا كما قد يبدو، بل إن نظامنا الشمسي يشبه ساحات إطلاق نارية سماوية، مليئة بالجسيمات الطائرة -ليس فقط النيازك، بل الأجسام الأكبر مثل المذنبات والكويكبات وغيرها من الحطام الكوني.
لكن حتى ذلك لن يكون أسوأ سيناريو تواجهه البشرية، فبعض العمالقة السماوية أكبر بكثير من JH2 بما يكفي لتدمير دول بأكملها وحتى قارات. اعتقد الفيزيائي البريطاني ستيفن هوكينغ أن الاصطدام الكوني يُعد أحد أكبر التهديدات للبشرية.
لسوء الحظ، فإننا سنكون عاجزين أمام جسم نادر ضخم يمتد عدة أميال. على عكس الديناصورات، ربما نرى اقتراب كويكب بعرض ستة أميال، مثل الذي اصطدم بالأرض قبل 66 مليون سنة.
ورغم أننا اكتشفنا الغالبية العظمى من الأجسام القريبة من الأرض التي يزيد عرضها على ثلثي الميل ولم نجد أي منها على مسار تصادمي مع الأرض، فقد يظهر نيزك ضخم الأسبوع المقبل وقد يصطدم بالأرض خلال سنوات قليلة، ولا يوجد ما يمكننا فعله لإيقافه.
للحماية من الاصطدامات الكونية، يجب التركيز على الأجسام متوسطة الحجم، التي يتراوح عرضها بين 100 ياردة ونصف ميل تقريبًا. هذه الأجسام كثيرة نسبيًا، وقد تسبب بسهولة عشرات الملايين من الضحايا. إذ يضرب الأرض كويكب بعرض 400 ياردة بمعدل مرة واحدة كل 100,000 سنة.
هذا ما كان يعتقده عالم الفلك الهولندي بيت هوت من معهد الدراسات المتقدمة في برينستون، نيو جيرسي. إذ نظم ورشة عن كيفية تجنب مثل هذه السيناريوهات الكارثية.
في أكتوبر 2002، أسس هوت مع زميله عالم الفلك واثنين من رواد الفضاء السابقين مؤسسة B612، التي تهدف إلى دراسة طرق تغيير مسار الأجسام السماوية المتجهة نحو الأرض.
قبل عشر سنوات، كان لدى المؤسسة خطط طموحة لإطلاق قمر صناعي يسمى سينتينيل للبحث عن الكويكبات المحتملة الخطورة. رغم إلغاء المشروع بسبب نقص التمويل، تظل مؤسسة B612 من أبرز المدافعين عن البحث الجاد في تقنيات الدفاع الكوكبي.
في الوقت نفسه، لا تقف المؤسسات الحكومية مثل ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية مكتوفة الأيدي.
لدى ناسا مكتب تنسيق الدفاع الكوكبي الخاص بها، في حين استثمرت الوكالة الأوروبية في برامج بحثية ممولة من الاتحاد الأوروبي مثل NEOShield وNEOShield-2 ، لدراسة أكثر الطرق واقعية لتغيير مسار الكويكبات. وضعت اللجنة الأمريكية للعلوم والتكنولوجيا استراتيجيتها الوطنية للاستعداد للأجسام القريبة من الأرض، وحتى في إطار لجنة الأمم المتحدة المعنية بالاستخدامات السلمية للفضاء، يوجد فريق عمل يعالج تهديد الاصطدامات الكونية.
مثلًا تفجير كويكب بالقنبلة الذرية، كما في فيلم أرماغيدون، ليس فكرة ذكية. كانت هذه الفكرة مقترحة منذ زمن طويل من قبل إدوارد تلر، المعروف بأب القنبلة الهيدروجينية، لكنها لن تفيد. فالشظايا الناتجة من الانفجار ستظل تتحرك في الفضاء في الاتجاه ذاته تقريبًا وبالسرعة نفسها. نتيجة لذلك، ستضطر الأرض لتحمل سلسلة من الاصطدامات الصغيرة بدل اصطدام كبير وحيد، مع كل العواقب المصاحبة لذلك.
الحل سيكون دفع الكويكب المتجه نحو الأرض قليلًا بحيث يمر بجوارها بدل الاصطدام بها. خصوصًا إذا كان بالإمكان اكتشاف الاصطدام قبل سنوات، فإن دفعة صغيرة قد تمنع الكارثة. عند اكتشاف الكويكب القريب من الأرض أبوفيش، الذي يبلغ عرضه 1,100 قدم وبدا لفترة أنه سيحدث دمارًا في 2029، كان العلماء قد حسبوا أن تغييرًا ضئيلًا في سرعته بمقدار ميكرومترات في الثانية سيكون كافيًا لتجنب الكارثة المتوقعة. لحسن الحظ، لا يوجد حاجة إلى التدخل، إذ سيمر أبوفيش بأمان بجوار الأرض في 13 أبريل 2029 على بعد 20,000 ميل.
مع ذلك، نجحت ناسا مؤخرًا في أول تجربة ناجحة لتغيير مسار كويكب بشكل متعمد: في سبتمبر 2022، اصطدمت مركبة فضائية تسمى DART بكويكب صغير يبلغ عرضه 525 قدمًا يُسمى ديمورفوس، تغير مداره حول الجسم الأكبر ديديموس بنجاح.
في الوقت ذاته، يوجد مشروع في مختبر لورانس ليفرمور قيد الإعداد. «مهمة التخفيف من تأثير الكويكبات عالية السرعة للاستجابة الطارئة» هي مطرقة فضائية بطول 10 ياردات ووزنها نحو 9 أطنان، يمكن إطلاقها بسرعة عالية نحو كويكب صغير قريب من الأرض. مع وجود فترة تحذير تصل إلى 10 سنوات، يمكن أن تُبعد كويكبًا بعرض 100 ياردة بما يكفي لمنع الاصطدام. وإذا كان جسم أكبر يتجه نحو الأرض، يمكن إطلاق ما بين 10 و100 من تلك المطارق. مع أن هذه الخطة مكلفة جدًا، فإنه إذا كان الهدف إنقاذ حياة 100 مليون شخص، فإن التكلفة تصبح ثانوية.
توجد طريقة أرخص لدفع كويكب صغير خارج مساره الأصلي، وهي وضع محرك صاروخي ضخم على سطحه. إذا كان محرك صاروخي صغير قادرًا على نقل صاروخ إلى الفضاء، فإن محركًا أكبر يمكنه تسريع كويكب كامل، على الأقل قليلًا. أو يمكنك ببساطة قذف مواد من الكويكب إلى الفضاء بسرعة عالية. بفضل قانون نيوتن الثالث فإن ذلك يولد تأثيرًا صاروخيًا يعيد توجيه الكويكب تدريجيًا.
يمكن أيضًا الاستفادة من الديناميكا الحرارية، إذ يمكن تسخين جزء صغير من جانب واحد للكويكب حتى تتبخر المادة السطحية وتنفجر نحو الفضاء. سيكون التأثير مشابهًا لتأثير محرك صاروخي على السطح، إذ يُدفع الغاز في اتجاه واحد، فيُحرك الكويكب ببطء في الاتجاه المعاكس.
أيضًا يمكن استخدام أساطيل من المدافع الليزرية، أو حتى الانفجار النووي على مسافة قصيرة من الكويكب. يوجد اقتراح آخر يتمثل في لف الكويكب بغطاء رقيق عاكس للضوء، لتعزيز أو إضعاف تأثير ياركوفيسكي، وهو الدفع الطفيف الذي تمارسه الشمس على الكويكب الدوار. وحتى استخدام رذاذ الطلاء قد يُحدث تأثيرًا مشابهًا.
وأخيرًا، ربما تكون الطريقة الأقل تدخلًا هي ما يُعرف بجرافة الجاذبية، التي ابتكرها رائد الفضاء السابق إد لو وزميله ستان لوف. الجهاز الذي قد يكون مسبارًا فضائيًا كبيرًا وثقيلًا، يطير بجانب الكويكب لفترة طويلة -سنوات إلى عقود- ويسحبه تدريجيًا بعيدًا عن مساره التصادمي. يحتاج المسبار إلى تشغيل محركه طوال الوقت، وإلا سيسحبه الكويكب إلى مداره. ومع قليل من المناورة الدقيقة ووقت كاف، يمكن سحب الكويكب إلى مدار آمن.
تبدو بعض هذه الاستراتيجيات غير عملية، ناهيك عن العقبات السياسية المعقدة التي قد تواجه الدفاع الكوكبي.
تخيل أن كويكب صغيرًا يقترب بسرعة من كوكبنا، مهددًا بمحو مدينة مثل دالاس -أكثر من مليون نسمة- من على الخريطة.
تنبأ عالم الفلك الأمريكي كارل ساغان بمشكلة أخرى: إذا كان لدى دولة القدرة على دفع كويكب بعيدًا ليعبر بالقرب من الأرض، فإن نفس التقنية يمكن استخدامها لإسقاط الكويكب على عدو. على هذا الأساس، قد تتحول فكرة الدفاع الكوكبي المثالية إلى نسخة فضائية من الحرب الباردة، أو ما هو أسوأ.
المصادر:
الكاتب
لور عماد خليل
