كيف سيعيش رواد الفضاء داخل القاعدة القمرية المستقبلية؟

25 يوليو 2026
12 مشاهدة
0 اعجاب

كيف سيعيش رواد الفضاء داخل القاعدة القمرية المستقبلية؟



في السنوات الأخيرة، تزايد الاهتمام العالمي باستكشاف الفضاء بصورة ملحوظة، مدفوعًا بالأعمال السينمائية ذات الطابع العلمي، وبالإنجازات المتسارعة في برامج استكشاف القمر، فضلًا عن إعلان وكالة ناسا خططًا لإنشاء قاعدة بشرية على سطحه. تشير الخطة الزمنية التي نشرتها الوكالة إلى أن عقد الثلاثينيات من القرن الحالي قد يشهد وجودًا شبه دائم لرواد الفضاء على القمر، في خطوة تمثل تحولًا مهمًا في مسيرة الاستكشاف الفضائي.


إلا أن الإقامة على القمر تفرض تحديات معقدة، إذ يفتقر سطحه إلى مقومات الحياة الأساسية، مثل الأكسجين والغذاء، أيضًا فإن نقل جميع المواد والمعدات اللازمة من الأرض يُعد خيارًا بالغ التكلفة وصعب التنفيذ. لذلك، يعمل العلماء على تطوير حلول وتقنيات مبتكرة تُمكّن البشر من العيش باستدامة على سطح القمر، حتى وإن بدت بعض هذه الأفكار أقرب إلى الخيال العلمي.


التحديات والتقنيات المقترحة لبناء قاعدة بشرية على القمر


يؤكد هاو تشين، الأستاذ في معهد ستيفنز للتكنولوجيا بولاية نيوجيرسي، أن نجاح أي مهمة فضائية يبدأ بالتخطيط الدقيق. يختص تشين بدراسة لوجستيات الفضاء، أي إدارة تدفق الإمدادات والمعلومات في البيئات الفضائية. يقول إن من أبرز الأسئلة التي تشغل تفكيره: كيف نضع خطة المهمة؟ وكيف نحدد جدولها الزمني؟ ومتى يُنفذ الإطلاق؟ ومن أي موقع وإلى أي وجهة؟


يضيف أن جزءًا أساسيًا من هذا التخطيط، فيما يتعلق بالقاعدة القمرية المستقبلية، يتمثل في الاستفادة من الموارد المتوافرة في موقعها على سطح القمر، وذلك بتحديد المواد التي يمكن استخدامها في تشييد القاعدة وتزويدها بالاحتياجات الأساسية. أما البديل، وهو نقل جميع المواد من الأرض، فيُعد خيارًا باهظ التكلفة للغاية، إذ تشير إحدى الشركات إلى أن تكلفة نقل كيلوغرام واحد إلى القمر تبلغ نحو 1.2 مليون دولار أمريكي. أيضًا فإن الاعتماد الكامل على الشحن من الأرض ينطوي على مخاطر إضافية، مثل احتمال انفجار الصاروخ الحامل للإمدادات، بما عليه من مؤن غذائية مخصصة لعدة أسابيع أو أشهر.


لحسن الحظ، يبدو أن القمر يحتوي على كميات وفيرة من المياه المتجمدة. حتى قبل انطلاق برنامج أرتميس، كانت ناسا تدرس إمكانية إنشاء مواقع إقامة لرواد الفضاء بالقرب من القطب الجنوبي للقمر، إذ تشير الدراسات إلى وجود جليد بكميات كبيرة داخل الفوهات التي تبقى في ظلال دائمة ولا تصلها أشعة الشمس.


لا تقتصر أهمية المياه على استخدامها للشرب أو في عمليات التصنيع، بل يمكن أيضًا تحليلها إلى عنصري الهيدروجين والأكسجين، اللذين يشكلان مصدرًا محتملًا لإنتاج الوقود اللازم لتشغيل الصواريخ والمعدات المختلفة، ما يمنح المياه دورًا محوريًا في دعم الاستيطان القمري.


يحذر تشين من تحدٍّ كبير يتمثل في ضرورة رفع مستوى جاهزية التقنيات والمعدات المخصصة للحياة على القمر بوتيرة سريعة إذا أُريد لهذا الحلم، الذي يبدو أقرب إلى الخيال العلمي، أن يتحول إلى واقع.


مثلًا، نجح العلماء بالفعل في إنتاج الأكسجين على سطح كوكب المريخ، لكن بكميات ضئيلة جدًا. فقد تمكنت تجربة أجرتها مركبة برسفيرنس التابعة لناسا من إنتاج 122 غرامًا فقط من الأكسجين خلال الفترة الممتدة بين عامي 2021 و2023، وهي كمية وصفتها الوكالة بأنها تعادل تقريبًا ما يتنفسه كلب صغير خلال عشر ساعات. إذا ما قورنت هذه الكمية باحتياجات طاقم من رواد الفضاء يخطط للإقامة على سطح القمر لأسابيع متواصلة، فإن الفارق يصبح هائلًا.


لا يقتصر الأمر على الأكسجين، سواء من حيث نقله أو إنتاجه، بل إن الغذاء يمثل تحديًا آخر لا يقل أهمية. يسعى جوشوا بيرس، الأستاذ في جامعة ويسترن بمقاطعة أونتاريو الكندية، إلى إيجاد حلول لهذه المشكلة. يركز بحثه على تطوير تقنيات مفتوحة المصدر في مجال استكشاف الفضاء، وكان أحد اهتماماته يتمثل في إيجاد حلول لمشكلة الجوع في المناطق النائية على الأرض. عندما طبّق الفكرة نفسها على البيئات الفضائية، توصّل إلى اقتراح يبدو غير مألوف، يتمثل في جعل رواد الفضاء يتغذون على الكويكبات!


قبل عامين، نشر فريق بحثي يضم بيرس دراسة في المجلة الدولية لعلم الأحياء الفلكي، أوضح فيها أن الكربون الموجود في غبار الكويكبات، الذي يشبه إلى حد بعيد غبار القمر، يمكن نظريًا تحويله إلى غذاء صالح لرواد الفضاء.


اعتمد الباحثون في ذلك على تقنية سبق أن خضعت للمراجعة العلمية، تقوم على تحويل البلاستيك إلى مواد قابلة للأكل باستخدام عملية التحلل الحراري، وهي عملية تُسخن فيها المواد العضوية في غياب الأكسجين. ينتج من هذه العملية زيت استطاعت أنواع من البكتيريا استهلاكه بكفاءة داخل مفاعل حيوي مفتوح المصدر طوّره طلاب جامعة ويسترن.


مع أن البكتيريا ليست بشرًا، فإن التجربة قدمت دليلًا أوليًا على إمكانية تحويل الصخور الفضائية مستقبلًا إلى مصدر غذائي لرواد الفضاء.


يقول بيرس: قد يبدو الأمر جنونيًا، لكنه يوضح أن إنتاج الغذاء بهذه الطريقة قد يكون مفيدًا في تطبيقات أخرى، مثل الاستخدامات العسكرية. مثلًا، تعمل وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة الأمريكية على تطوير وسائل آمنة لإعادة

تدوير المخلفات الناتجة من عبوات الطعام العسكرية، خصوصًا عندما تعمل القوات في مناطق نائية. يضيف بيرس: نجمع بين عدة تقنيات لتحويل البلاستيك الموجود في مخلفات الطعام مرة أخرى إلى غذاء صالح للاستهلاك البشري.


منذ نشر تلك الدراسة، يعمل بيرس على تطوير نظام متكامل يجمع عدة مسارات بحثية في وحدة مدمجة مناسبة للاستخدام في الفضاء. وفي إطار أبحاثه اللاحقة المتعلقة بالغذاء الفضائي، يختبر فريقه حاليًا إمكانية استخدام الفحم مصدرًا غذائيًا للبكتيريا، ويأمل في نشر دراسة جديدة حول نتائج هذا العمل.



المصادر:


الكاتب

طيبة غازي

طيبة غازي
تدقيق

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة