يمتلك البشر حاجات ورغبات وتفضيلات فيما يحبونه ويكرهونه، ولكن لا يعبر جميع الأشخاص عن هذه الأمور عادة، وإذا فضّل الفرد حاجات الآخرين على حاجاته يسمى ذلك بسلوك إرضاء الناس، وقد يسبب الاستياء مع مرور الوقت.

قد يختار بعض الناس وضع احتياجات الآخرين ويبررون ذلك بطرق مختلفة، فيوافق أحدهم على تناول الطعام في مكان لا يحبه لأنه ليس دوره باختيار مكان الغداء، ويساعد صديقه في مهامه لأن الأخير في مأزق، وقد يعبّر كل ذلك عن فعل اعتيادي لطيف، ويشكل جزءًا من الطبيعة البشرية وطريقة لإظهار الاهتمام بالآخر.

ولكن لا يعد تفضيل احتياجات الآخر على النفس اختيارًا لدى بعض الناس، إذ يُعِدّ البعض ذلك طريقًا لحفظ السلام والابتعاد عن المشكلات والصراعات، وقد يواجه هؤلاء الناس الكثير من الصعوبات خلال حياتهم.

وضّح عالم النفس السريري آدم بورلاند قائلا: «يستمر الناس المحبون لإرضاء الناس في العطاء إلى الدرجة التي يتضررون فيها، إن السعي المستمر إلى إرضاء احتياجات الناس ورغباتهم وعدم تلبية المرء لحاجاته الشخصية يتسبب بمشاعر من القلق والإحباط وحتى الاستياء على المدى الطويل».

قدم الطبيب بورلاند نصائح حول طريقة التعرف على سلوك إرضاء الناس، وكيفية تفضيل الشخص لاحتياجاته أولًا ودائمًا.

الشخص المحب لإرضاء الناس

يُعرف الشخص المحب لإرضاء الناس بالشخص الذي يبذل قصارى جهده لإسعاد الآخرين، وذلك على حساب سعادته ورضاه. يعتذر الأشخاص المحبون لإرضاء الناس ويتلقون اللوم على أخطاء لم يرتكبوها أصلًا. يرضى هؤلاء الأشخاص ويوافقون على قرارات الآخرين بغض النظر عن رأيهم الخاص بها.

علق الطبيب بورلاند على ذلك قائلًا: «يضع المحب لإرضاء الناس احتياجاته الشخصية بعد احتياجات الآخرين طوال الوقت، يورّط هؤلاء الأشخاص أنفسهم في مواقف صعبة، أو حتى يضعون مسؤوليات غير ملزمين بها على عاتقهم من أجل كسب عاطفة الآخرين وموافقتهم».

يستطيع الجميع ممارسة سلوكيات حب إرضاء الناس أحيانًا، إذ تحدث هذه الأشياء عادةً، وقد يوافق شخص على إتمام مناوبة زميله في العمل مع إنه كان يخطط لشيء آخر يفضله، أو قد يذهب شخص الآخر إلى عرض كوميدي مع صديقه وهو يعلم أن هذا النوع من العروض ليس نوعه المفضل.

لا عيب في قول «أفضّل ألا أفعل ذلك، لكن لا بأس في ذلك هذه المرة» من حين لآخر. تكمن المشكلة الحقيقية عند محبي إرضاء الناس الذين يغيرون من أنظمة حياتهم بما يتناسب مع احتياجات الآخرين، خصوصًا عند اختلاف احتياجات الآخرين عن حاجاتهم.

تعرف الشخصية المحبة لإرضاء الناس بكونها مبنية أساسًا على تلبية احتياجات الآخرين ورغباتهم، بينما يهمل الشخص نفسه في سبيل ذلك.

ما أسباب السلوك المحب لإرضاء الناس؟

يعد حب إرضاء الناس نمط حياة قائم على الحاجة الماسة لإسعاد الآخرين، ويرافق هذا الأسلوب أحيانًا سلوكيات واضطرابات أخرى مثل:

  •  قلة الاعتزاز بالنفس.
  •  صعوبات في تأكيد الذات.
  •  تجنب المشكلات.
  •  الخوف من التخلي.
  •  القلق المعمم.
  •  الاكتئاب.

قد يميل الأشخاص الذين عاشوا طفولة علمتهم التعامل بلطف مع الجميع وتجنب الصراعات إلى التصرف بسلوكيات محبة لإرضاء الناس، تتجلى هذه السلوكيات خصوصًا إذا تعرض المرء إلى الإساءة أو الأذى أو الإهمال أو الهجر في وقت سابق من حياته.

فمثلًا، يعاني الطفل الذي يعيش مع أبوين مصابين باضطراب كحولي صعوبات كثيرة، فقد يتعلم الطفل حينها أنه حتى تُلبى احتياجاته، يجب عليه تحقيق مطالب والديه مهما كانت.

يواجه الأطفال الذين لديهم أشقاء مشاكسون أيضًا صعوبات تجعلهم يميلون للتصرف بسلوكيات محبة لإرضاء الناس، وذلك للحفاظ على سلام المنزل، ما يجعل منهم الشخص الجيد أو المسالم.

وإذا بدأت هذه السلوكيات منذ سن مبكرة ستصبح بمرور الوقت آلية دفاعية، أي طريقة لحماية النفس من الخطر حقيقيًا كان أم متصورًا. قد تمثل تصرفات إرضاء الناس أمرًا ضروريًا، لكن قد يشعر المرء أنها تركته دون الأدوات والخبرة اللازمة للدفاع عن نفسه بمرور الوقت، ما يدفع المرء للدخول في دوامة من إرضاء الناس وصولًا لمرحلة البلوغ.

دلائل على أن شخص ما محب لإرضاء الناس

تعد العلامة الأولى على حب إرضاء الناس أن يفقد الناس هويتهم الخاصة نتيجة تفضيل احتياجات الآخرين على حاجاتهم الخاصة، ما يتسبب مع الوقت بتراجع شخصياتهم.

تتزايد صعوبة مواكبة السلوك المحب لإرضاء الناس بمرور الوقت، إذ يؤثر العطاء المستمر دون تلقي أي مقابل له سلبًا في حياة الناس، ويتمثل ذلك بما يلي:

  •  يشعر المرء وكأنه استُغِل.
  •  يكون الشخص غير راضٍ عن علاقاته مع الآخرين.
  •  يشعر المرء بالإحباط أو الاستياء.
  •  يعاني الشخص من أعراض نفسية وجسدية للتوتر والإرهاق، كمشكلات النوم، أو زيادة تواتر المرض، أو تغيرات في الوزن.

كيف يتوقف المرء عن كونه محبًا لإرضاء الناس؟

يصعب على المرء تقبل حقيقة كونه محبًا لإرضاء الناس، ويعد تغيير هذا السلوك أمرًا أصعب، إذ تمثل السلوكيات هذه لدى بعض الأشخاص أمرًا أساسيًا في شخصياتهم، ولن يكون تغييرها بالكامل أمرًا سهلًا أو ممكنًا حتى في وقت قصير.

أكد الطبيب بورلاند قائلًا: «يعد تعرف الشخص المحب لإرضاء الناس على مشاعره وتفضيلها على مشاعر الآخرين أمرًا صعبًا وغريبًا بالنسبة إليه».

يوصي الطبيب هؤلاء الأشخاص بأن يكونوا لطفاء مع أنفسهم في بداية رحلة التخلي عن السلوك المحب لإرضاء الناس. إذ يصعب عليهم تقبل مسؤولية أفعالهم الإشكالية وتحملها، فمن الطبيعي أن يقلق هؤلاء الأشخاص حيال رد فعل الآخرين حين يتوقفون عن تفضيلهم على أنفسهم.

أضاف الطبيب بورلاند: «ينصح الشخص بالابتداء بخطوات صغيرة، إذ يستخدم الأطباء مثال دخول حوض السباحة تدريجيًا. لا يجب أن يتوقع المرء أن يغوص إلى العمق حتى النهاية على الفور، بل يجب عليه الدخول تدريجيًا إلى المسبح والسماح لنفسه بالتأقلم مع الوضع الجديد، يهدف هذا إلى أن يشعر الشخص المحب لإرضاء الناس بالثقة أكثر حيال التغييرات السلوكية التي يواجهها».

أضاف الطبيب بورلاند أن الأشخاص المحبين لإرضاء الناس يستفيدون جدًا من العلاج، سيما تركيزهم مع المعالج النفسي على تحسين مهارات العزم لديهم، والثقة بالنفس ورعايتها.

وأنهى كلامه قائلًا: «تتمثل الرعاية بالنفس بأن يتعلم المرء كيف يقيم أحاسيسه الجسدية والنفسية، فللأسف لا يأخذ الأشخاص المحبون لإرضاء الناس هذا الأمر بالحسبان، ويعود تقدير الشخص لمشاعره وأحاسيسه بتغييرات إيجابية على نفسه وصحته».

اقرأ أيضًا:

كيفية التوقف عن حب شخص ما والبدء في المضي قدمًا

دراسة سريرية تشرح كيفية التوقف عن التفكير الزائد في الأشياء

ترجمة: رهف وقّاف

تدقيق: لين الشيخ عبيد

مراجعة: محمد حسان عجك

المصدر