كيف يمكن للصحاري القاحلة أن توجد بجوار المحيطات؟
عندما تتخيل الصحراء، قد يخطر ببالك مشهد لامتداد شاسع من الأراضي القاحلة، بعيدًا عن أي مصدر للمياه. لكن المدهش أن بعض أكثر بقاع الأرض جفافًا تقع بمحاذاة المحيط مباشرة. فصحراء أتاكاما في تشيلي، وصحراء ناميب في جنوب غرب أفريقيا، كلتاهما تمتدان بجانب سواحل بحرية. فكيف تشكلت هذه الصحاري القاحلة شديدة الجفاف في أماكن تحيط بها كميات هائلة من المياه؟
أوضح دافيد كريمار عالم المياه بجامعة نيفادا بمدينة لاس فيجاس، أن تشكُل الصحاري الساحلية لا يحدث مصادفة، بل يرتبط بثلاثة عوامل رئيسية:
1. حركة الهواء رأسيًا، صعوده وهبوطه
2. حركته أفقيًا عبر مسافات واسعة
3. وطبيعة تفاعل السلاسل الجبلية مع الرطوبة المحمولة في الغلاف الجوي.
لفهم الصورة فهمًا أوضح، يكفي أن نتأمل خريطة العالم. سنلاحظ أن معظم الصحاري تتركز في نطاقين يحيطان بخط الاستواء من الشمال والجنوب. السبب أن خط الاستواء يتلقى أكبر قدر من أشعة الشمس المباشرة على مدار العام، ما يؤدي إلى تسخين الهواء القريب من سطح الأرض. وعندما يسخن الهواء يتمدد ويصبح أخف وزنًا، فيرتفع إلى أعلى.
هذا الصعود المستمر للهواء الدافئ يخلق عند السطح منطقة ضغط جوي منخفض، أي منطقة يكون فيها الضغط أقل من المناطق المحيطة. ومع ارتفاع الهواء، يبرد تدريجيًا في الطبقات العليا من الغلاف الجوي، فتتكاثف الرطوبة التي يحملها مكونةً سحبًا، ثم تهطل على هيئة أمطار غزيرة.
لهذا السبب تحديدًا تزدهر المناطق الاستوائية بغابات كثيفة غنية بالحياة، مثل غابات الأمازون المطيرة، حيث تتوافر الحرارة المرتفعة والرطوبة والأمطار على مدار العام.
إلى جانب الحركة الرأسية للهواء، تؤدي الحركة الأفقية عبر الكوكب دورًا حاسمًا في رسم خريطة الصحاري. فبالقرب من خط الاستواء تهب الرياح التجارية من الشرق إلى الغرب، حاملةً معها الرطوبة عبر القارات. وغالبًا ما تُفرغ هذه الرياح حمولتها المائية على السواحل الشرقية، فتتلقى تلك المناطق نصيبًا أكبر من الأمطار، في حين تصل الكتل الهوائية إلى السواحل الغربية وقد فقدت جزءًا كبيرًا من رطوبتها، فتبدو أكثر جفافًا.
في حالة صحراء ناميب مثلًا، توضح آبي ستون، عالمة الجغرافيا الطبيعية بجامعة مانشستر في إنجلترا، أن الأمطار حين تهطل في تلك المنطقة لا تسقط فوق الصحراء ذاتها، بل تتركز في السلاسل الجبلية الواقعة شرقها. في حين يبقى الشريط الساحلي الصحراوي محرومًا منها.
لا يقتصر الأمر على اتجاه الرياح. فتيارات المحيطات الباردة عنصر أساسي في هذه المعادلة. فعندما يمر الهواء فوق تيار بحري بارد، يبرد بالتلامس معه. والهواء البارد أكثر استقرارًا وأقل قابلية للصعود مقارنةً بالهواء الدافئ. وتشبه ستون الكتل الهوائية ببالونات مرنة: فهي لا تختلط تمامًا بما حولها، لكنها قادرة على التمدد والانكماش. غير أن الهواء البارد لا يميل إلى التمدد والارتفاع، لأنه يفتقر إلى الطاقة الحرارية اللازمة للحمل الحراري. بغياب هذا الصعود الرأسي، تبقى الكتلة الهوائية حبيسة في طبقات الجو المنخفضة. ومع أنها قد تحتفظ ببعض الرطوبة، فإنها لا ترتفع لتشكيل سحب ممطرة. بدلًا من ذلك، تدفعها الرياح نحو اليابسة على ارتفاع منخفض، فتتشكل بيئات ضبابية كثيفة على الأطراف الغربية من هذه الصحاري الساحلية.
لا يقل تأثير تفاعل السلاسل الجبلية أهميةً في تفسير جفاف هذه الصحاري. فعندما تُدفع كتلة هوائية رطبة لتصعد فوق حاجز جبلي، فإنها تبرد تدريجيًا مع الارتفاع، ما يؤدي إلى تكاثف بخار الماء وسقوط الأمطار على الجانب المواجه لاتجاه الرياح. كما يوضح دايفيد كريمار أن الهواء بعد أن يفرغ جزءًا كبيرًا من رطوبته في أثناء الصعود، يهبط على الجانب الآخر -الجانب المعاكس لاتجاه الرياح- من الجبل وهو أكثر جفافًا. وتُعرف هذه الظاهرة باسم «ظل المطر»، أي أن المنطقة التي تقع خلف السلسلة الجبلية تحصل على كميات أقل من هطول الأمطار.
لفهم الفارق بوضوح، يمكن النظر إلى مثال من الولايات المتحدة الأمريكية، فمدينة سياتل الواقعة غرب سلسلة جبال كاسكيد، تتلقى في المتوسط نحو 99.8 سم من الأمطار سنويًا. في المقابل، لا تحصل مدينة ياكيما، الواقعة شرق السلسلة نفسها، إلا على نحو 20.3 سم سنويًا. هذا التباين الحاد في كميات الأمطار ناتج مباشرة عن تأثير ظل المطر.
أما في حالة صحراء أتاكاما، فتتجلى الظاهرة بصورة أكثر تطرفًا. فالرياح القادمة عبر أمريكا الجنوبية تُفرغ قدرًا كبيرًا من أمطارها فوق غابات الأمازون في الشرق. ثم تواصل مسارها لتصطدم بسلسلة جبال الأنديز، حيث تفقد ما تبقى من رطوبتها في أثناء صعودها فوق القمم الشاهقة للجبال. وبحلول الوقت الذي تهبط فيه على الجانب الغربي باتجاه سواحل تشيلي، تكون قد استنزفت تقريبًا حصتها من بخار الماء، تاركةً الشريط الساحلي -حيث تمتد صحراء أتاكاما- واحدًا من أكثر الأماكن جفافًا على وجه الأرض.
تمنح هذه العوامل الثلاثة مجتمعةً الصحاري الساحلية سمات فريدة لا تكاد تتوافر في غيرها من الصحاري الداخلية. فبفضل تأثير التيارات البحرية الباردة واستقرار الكتل الهوائية، تميل هذه المناطق إلى درجات حرارة أقل تطرفًا، ومناخ أكثر اعتدالًا واستقرارًا مقارنةً بالصحاري الأخرى.
تُعد الصحاري موطنًا لكائنات طورت تكيفات مدهشة تمكنها من الحصول على المياه من رطوبة الجو بدلًا من الاعتماد على الأمطار النادرة. ففي صحراء ناميب مثلًا، طورت بعض أنواع الخنافس سلوكًا لافتًا، إذ تتخذ وضعيةً خاصة فوق الكثبان الرملية، فترفع الجزء الخلفي من أجسامها في مواجهة الضباب البحري. حيث يتكاثف بخار الماء على سطح أجسامها، ثم تنساب القطرات الصغيرة نحو أفواهها بفعل الجاذبية، لتوفر لها مصدرًا حيويًا للماء في بيئة تكاد تخلو من الهطول المطري.
قالت آبي ستون: «درس العلماء طبيعة الأسطح التي تتكاثف عليها قطرات الضباب لدى بعض الكائنات، بهدف تطوير شباك أكفأ لالتقاط الضباب وتوفير المياه في البيئات الجافة. لقد وجدوا مخلوقات مذهلة حقًا».
لا تقتصر ظاهرة التصحر على المناطق الحارة، فالصحارى القطبية -مثل معظم أنتاركتيكا وأقصى شمال القطب الشمالي- تتشكل بفعل عوامل مشابهة، مثل استقرار الكتل الهوائية وتأثير التيارات المحيطية. غير أن البرودة الشديدة تضيف عاملًا حاسمًا، فالهواء البارد لا يستطيع الاحتفاظ بقدر كبير من الرطوبة.
«في حالة أنتاركتيكا، فإن الرياح القوية والتيارات المحيطية التي تحيط بالقارة تؤدي دورًا فعالًا في منع أنظمة الطقس من الوصول إلى داخلها».
المصادر:
الكاتب
محمد اسماعيل
