لأول مرة.. رصد العلماء موجات بلازما بين زحل وإنسيلادوس!

25 يوليو 2026
9 مشاهدة
0 اعجاب

لأول مرة.. رصد العلماء موجات بلازما بين زحل وإنسيلادوس!



لو كان بإمكان البشر سماع ما يجري في الفضاء، لربما بدت الحياة أكثر غرابة وقلقًا مما نتخيل.


في الواقع، لا يمكننا سماع أصوات الكون مباشرة، لأن الصوت لا ينتقل إلا عبر وسط مادي يحتوي على جسيمات متقاربة، مثل الهواء أو الماء، تتبادل الاهتزازات فيما بينها. أما الفضاء، فهو شبه فراغ، ولذلك لا تنتشر فيه الأصوات بالطريقة التي نعرفها على الأرض.


لكن عندما يحول العلماء البيانات التي تجمعها المركبات الفضائية إلى إشارات صوتية يمكن للأذن البشرية إدراكها، فإننا نحصل على لمحة مدهشة من عالم مختلف تمامًا، مليء بأصوات غريبة ومثيرة للرهبة.


فمن الهدير العميق المنسوب إلى الثقوب السوداء، إلى الأزيز والصفير المرتبط بالمجال المغناطيسي للأرض، يبدو الكون -لو أمكن سماعه- وكأنه سيمفونية هائلة من الأصوات غير المألوفة.


يُعد كوكب زحل من أكثر الكواكب إثارة في هذا الجانب؛ فبفضل حلقاته العملاقة، وأقماره العديدة، ومجاله المغناطيسي المنتظم، يشهد الفضاء المحيط به نشاطًا يولد إشارات تتحول إلى أصوات تشبه الصفير والصراخ، يصعب نسيانها بعد الاستماع إليها.


قبل أسبوعين فقط من نهاية مهمتها المأساوية عام 2017، التقطت مركبة كاسيني، التي كانت تدور حول زحل، تسجيلًا لظاهرة غير مسبوقة أثارت اهتمام العلماء.


ما يُسمع في التسجيل ليس صوتًا ينتقل عبر الهواء، بل تمثيل صوتي لموجات بلازما كانت تنتشر في الفضاء المحيط بزحل، قبل وقت قصير من الغوص الأخير للمركبة داخل الغلاف الجوي للكوكب.


لم يكن الأمر مجرد تسجيل مثير، بل حمل قيمة علمية كبيرة. فقد كشفت دراستان نُشرتا عام 2018 تفاعلات لم تكن معروفة سابقًا بين زحل وحلقاته وقمره الجليدي إنسيلادوس.


أظهرت إحدى الدراستين، للمرة الأولى، أن موجات البلازما تنتقل بين زحل وإنسيلادوس عبر خطوط المجال المغناطيسي التي تربط الجرمين ببعضهما.


وخلال المرحلة الأخيرة من مهمة (النهاية الكبرى)، اقتربت كاسيني من زحل أكثر من أي وقت مضى، ما أتاح لها إجراء قياسات لم يكن من الممكن الحصول عليها من مسافات أبعد.


في إحدى أقرب رحلاتها، قبل أسبوعين من سقوطها النهائي، استخدمت المركبة جهاز رصد موجات الراديو والبلازما لاكتشاف موجات بلازمية كانت تتحرك بين زحل وإنسيلادوس.


قال عالم الكواكب علي سليمان من جامعة أيوا، وأحد أعضاء الفريق:


يشبه إنسيلادوس مولدًا صغيرًا يدور حول زحل، ونعلم أنه مصدر مستمر للطاقة. والآن اكتشفنا أن زحل يستجيب لذلك بإطلاق إشارات على هيئة موجات بلازمية تنتقل عبر شبكة خطوط المجال المغناطيسي التي تربطه بإنسيلادوس، رغم أن المسافة بينهما تمتد إلى مئات الآلاف من الأميال. يؤكد الباحثون أن ما سجلته كاسيني ليس صوتًا حقيقيًا، فالصوت هو اهتزاز ينتقل داخل وسط مادي مثل الهواء حتى يصل إلى طبلة الأذن. ولما كان الفضاء يخلو تقريبًا من مثل هذا الوسط، فلا يمكن للصوت أن ينتشر فيه.


أما الإشارات التي رصدتها المركبة، فهي موجات بلازمية كهروستاتيكية تستطيع الانتقال عبر الفراغ، وتقع تردداتها ضمن النطاق السمعي للبشر، لذلك تمكن العلماء من تحويلها إلى تسجيلات صوتية يمكن الاستماع إليها.


وقد سرعوا التسجيل، الذي استغرق في الأصل 16 دقيقة، ليصبح مقطعًا صوتيًا مدته 28.5 ثانية فقط.


النتيجة كانت صوتًا يبدو بالفعل وكأنه قادم من عالم آخر: مزيج من النقرات والصفير والعواء المتغير، ينخفض تدريجيًا ثم يرتفع من جديد، وهو نمط يعرف باسم الهسيس الشفقي، لأنه يرتبط غالبًا بظواهر الشفق القطبي.


رُصدت تسجيلات هذا النوع من الإشارات سابقًا خلال تحليقات قريبة من إنسيلادوس، إلا أن هذه هي المرة الأولى التي يُسجل فيها هذا النمط بالقرب من كوكب زحل نفسه، وليس بالقرب من قمَره.


يعرف العلماء منذ سنوات أن العلاقة بين زحل وإنسيلادوس تختلف كثيرًا عن العلاقة بين الأرض والقمر. فقد أثبتت الدراسات أن النافورات الجليدية التي يقذفها إنسيلادوس إلى الفضاء تمد إحدى حلقات زحل بجسيمات الماء، أيضًا فإن القمر يقع داخل المجال المغناطيسي للكوكب طوال الوقت تقريبًا، على عكس قمر الأرض الذي يقضي جزءًا كبيرًا من كل شهر خارج نطاق الغلاف المغناطيسي للأرض.


أتاح تحليل بيانات كاسيني فهمًا أعمق لهذه العلاقة المعقدة بين الكوكب وقمره، وكشف جانبًا جديدًا من الخصائص الفريدة التي تميز زحل، إلى جانب توفير أحد أغرب التسجيلات الصوتية المستوحاة من بيانات الفضاء.



ورغم مرور ما يقرب من عشر سنوات على انتهاء مهمة كاسيني، لا يزال العلماء يستخرجون اكتشافات جديدة من الكم الهائل من البيانات التي جمعتها المركبة، لتواصل أسرار زحل وإنسيلادوس كشف المزيد من المفاجآت، ومعها تلك الأصوات الغامضة القادمة من أعماق الفضاء.





المصادر:


الكاتب

لور عماد خليل

لور عماد خليل
تدقيق

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة