للمرة الأولى رصد غلاف جوي حول كوكب صخري ضمن النطاق الصالح للحياة
لطالما نظر البشر إلى النجوم المتلألئة في السماء باعتبارها رفيقًا دائمًا، لكن التقدم الهائل في علم الفلك أتاح اليوم فرصة للإجابة عن أحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في تاريخ البشرية: هل توجد حياة في أماكن أخرى من الكون؟
لهذا يركز العلماء في بحثهم عن عوالم قابلة للسكن على عاملين أساسيين: أن يكون الكوكب صخريًا يشبه الأرض في تركيبه، وأن يدور داخل المنطقة الصالحة للحياة حول نجمه، حيث تسمح درجات الحرارة بوجود الماء في حالته السائلة.
على مدى أكثر من عشرين عامًا، تمكن علماء الفلك من رصد غلاف جوي لكواكب خارج المجموعة الشمسية، لكن جميع تلك الكواكب كانت عمالقة غازية ضخمة شديدة السخونة، تختلف تمامًا عن الأرض.
أما اليوم، فقد أعلن فريق من الباحثين عن أول اكتشاف لـغلاف جوي يحيط بكوكب صخري يقع داخل المنطقة الصالحة للحياة، وهو الكوكب LHS 1140 b، الذي يُعد من أبرز المرشحين لاحتضان ظروف مناسبة للحياة.
قال كولين شيروبيم، عالم الكواكب في جامعة هارفارد والباحث الرئيس للدراسة المنشورة:
للمرة الأولى نكتشف غلافًا جويًا حول كوكب صخري يقع داخل المنطقة الصالحة للحياة لنجم آخر.
يبلغ حجم الكوكب نحو 1.7 ضعف قطر الأرض، وتزيد كتلته على خمسة أضعاف كتلتها، وهي خصائص تشير إلى أنه كوكب صخري، مع احتمال امتلاكه غلافًا جويًا رقيقًا وربما كميات من المياه.
يكتسب الكوكب أهمية إضافية لأنه يقع على بعد نحو 50 سنة ضوئية فقط من الأرض، ويدور حول نجم قزم أحمر تقل كتلته وحجمه إلى نحو خمس كتلة الشمس وحجمها، وهو أبرد منها.
من جانبه، قال روبن ووردزورث، عالم الكواكب في جامعة هارفارد، أحد المشاركين في الدراسة:
قبل عشرين عامًا فقط كنا نتساءل عما إذا كانت الكواكب الصخرية المشابهة للأرض موجودة أصلًا. ثم اكتشفنا أنها شائعة، وأن بعضها يقع داخل المنطقة الصالحة للحياة. أما السؤال التالي فكان: هل احتفظ أي منها بغلاف جوي؟ الآن أصبح لدينا الدليل على أن واحدًا منها على الأقل يمتلكه.
كان شيروبيم قد توقع سابقًا أن يمتلك الكوكب غلافًا جويًا غنيًا بالهيليوم، مستندًا إلى نموذج حاسوبي طوره لدراسة عملية تعرف باسم التجزؤ الكتلي.
أوضح أن النموذج أظهر أن بعض الكواكب الواقعة في ظروف مناسبة يمكنها أن تفقد غاز الهيدروجين مع الاحتفاظ بالهيليوم، ما يؤدي إلى تكوين غلاف جوي تهيمن عليه هذه المادة، وهو ما أطلق عليه اسم عوالم الهيليوم.
وأضاف: أردت اختبار هذه الفرضية، لذلك بحثت عن الهيليوم المتسرب من الكوكب، ووجدته بالفعل.
واعتمد الفريق على جهاز WINERED المثبت في مرصد لاس كامباناس بصحراء أتاكاما في تشيلي، إذ راقب الكوكب وشقيقه في أثناء مرورهما أمام النجم في ليلة من سبتمبر 2024.
عندما يعبر الكوكب أمام نجمه، يمر جزء من ضوء النجم عبر الغلاف الجوي للكوكب، فتمتص الغازات أطوالًا موجية محددة من الضوء، ما يسمح للعلماء بتحديد مكونات الغلاف الجوي بدقة.
أظهرت النتائج أن كوكب LHS 1140 b وحده يمتلك غلافًا جويًا من الهيليوم، يتسرب إلى الفضاء بمعدل يصل إلى مئات الآلاف من الكيلوغرامات كل ثانية.
يصل الغاز المتدفق إلى درجات حرارة تتجاوز 4700 درجة مئوية نتيجة تعرضه لإشعاع النجم، ويُعتقد أن الرياح النجمية أو التفاعلات المغناطيسية بين الكوكب ونجمه تسهم في هذه الظاهرة.
مع ذلك، لم يتمكن العلماء من رصد هذا التسرب خلال متابعة جديدة أجريت عام 2025، ما يشير إلى أن الظاهرة قد تكون متغيرة بمرور الوقت.
المثير للاهتمام أن الكوكب احتفظ بهذا الغلاف الجوي أكثر من ثلاثة مليارات سنة، مع أن النجوم القزمة الحمراء معروفة بنشاطها العنيف وإشعاعاتها القوية التي تؤدي عادة إلى تجريد الكواكب الصخرية من أغلفتها الجوية.
أوضح شيروبيم أن الكوكب يتلقى نحو 42% فقط من كمية الطاقة التي تستقبلها الأرض من الشمس، مضيفًا:
رغم تعرضه في ماضيه لمستويات أعلى من الأشعة السينية والأشعة فوق البنفسجية، وهي إشعاعات تؤدي عادة إلى تآكل الغلاف الجوي للكواكب الصخرية، فإنه تمكن من الاحتفاظ بجزء من الهيليوم الذي يرجح أنه تراكم منذ مرحلة تشكل الكوكب.
وأشار إلى أن النماذج التي طورها توضح أن الكوكب يقع على مسافة كافية من نجمه، ما ساعده على الاحتفاظ بمعظم الهيليوم الأصلي الذي تكوّن معه.
يرى العلماء أن الخطوة المقبلة تتمثل في دراسة الكوكب بصورة أكثر تفصيلًا، لمعرفة ما إذا كان يحتوي على محيطات أو أي خصائص أخرى قد تجعله بيئة مناسبة للحياة.
قد تساعد هذه التقنيات على اكتشاف المزيد من الكواكب التي تمتلك غلافًا جويًا داخل المناطق الصالحة للحياة، وربما العثور مستقبلًا على كواكب أكثر شبهًا بالأرض تدور حول نجوم هادئة.
يؤكد هذا الإنجاز أيضًا أن المراصد الأرضية قادرة على لعب دور محوري في دراسة الكواكب البعيدة، إلى جانب تلسكوب جيمس ويب الفضائي، في رصد الأغلفة الجوية للعوالم الواقعة خارج المجموعة الشمسية.
اختتم شيروبيم قائلًا:
يمثل هذا الاكتشاف تأكيدًا لصحة النموذج الذي طورناه، ونأمل أن يكون مجرد البداية لسلسلة طويلة من الاكتشافات الجديدة.
المصادر:
الكاتب
لور عماد خليل
