لماذا تطلق الأشجار أصواتًا تشبه الانفجارات في الجو شديد البرودة؟

4 أبريل 2026
16 مشاهدة
0 اعجاب

لماذا تطلق الأشجار أصواتًا تشبه الانفجارات في الجو شديد البرودة؟


 

في يناير الماضي، كان معظم سكان الولايات المتحدة الأمريكية يستعدون لعاصفة شتوية قطبية قد تكون تاريخية.


ففي الولايات الـ 48 المتجاورة، أشارت التوقعات إلى هبوط متوسط درجات الحرارة إلى ما بين -°12 إلى -°11 درجة مئوية تحت الصفر، وشهدت مناطق الشمال والغرب الأوسط موجة برد أشد قسوة، إذ انخفضت فيها الحرارة إلى -25° درجة مئوية تحت الصفر أو حتى أقل.


لكن المشهد لم يقتصر على الصقيع القارس، أو الثلوج المتراكمة، أو الجليد الذي قد يُلحق أضرارًا واسعة بالبنية التحتية.


فبعيدًا عن كل ذلك، بدأت بعض المواقع الإخبارية ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي التحذير من مشكلة مختلفة تمامًا.


«احذروا من الأشجار المتفجرة!»


بهذه العبارة اللافتة حذّر حساب ماكس فيلوستي، المتخصص في الأرصاد الجوية، أكثر من 262 ألف متابع على الفيسبوك يوم 20 يناير، مُشيرًا إلى أن ولايات الغرب الأوسط والسهول الشمالية قد تشهد ظاهرة غير معتادة، مع توقع انخفاض درجات الحرارة إلى أكثر من °20 درجة مئوية تحت الصفر.


لم يكن هذا التحذير استثناءً. إذ تداولت وسائل إعلام واسعة الانتشار تقارير تؤكد أن خبراء الأرصاد يخشون أن يؤدي هذا الانخفاض الحاد في درجات الحرارة إلى تشقق الأشجار وانقسامها فجأة، ما قد يشكل خطرًا على المارة والمنازل والسيارات، بل وحتى على خطوط الكهرباء، في ولايات مثل داكوتا الشمالية والجنوبية ومينيسوتا وويسكونسن وأيوا وميشيغان.


مع أن ظاهرة انفجار الأشجار حقيقية بالفعل، فإن الفيزياء الكامنة خلفها أقل رُعبًا مما توحي به التسمية.


لفهم ما يحدث على أرض الواقع، لا يكفي التركيز على الصوت المفاجئ أو المشهد الصادم، بل الأجدر بالاهتمام هو فهم الظروف المناخية القاسية التي تدفع الأشجار إلى هذا السلوك، إذ إن إدراكها قد يكون في بعض الحالات مسألة سلامة، لا مجرد معلومة علمية عابرة.


ما الدوامة القطبية؟


مع أن الدوامة القطبية لا تتصدر العناوين الإخبارية إلا عندما تتجه جنوبًا وتؤثر مباشرة في الطقس داخل الولايات المتحدة، فإنها في الواقع ليست ظاهرة مفاجئة. فهي واحدة من نظامين هوائيين عملاقين يدوران باستمرار فوق المناطق القطبية للأرض، ويؤديان دورًا أساسيًا في تنظيم حركة الهواء البارد حول الكوكب.


من ناحية نصف الكرة الشمالي، تبقى الدوامة القطبية متمركزة فوق القطب الشمالي معظم أيام السنة، لكنها في بعض الأحيان تمتد جنوبًا عندما تتفاعل مع طبقات عليا من الغلاف الجوي أدفأ بخلاف المعتاد.


عند امتزاج هذا الهواء القطبي شديد البرودة بالرطوبة القادمة من كاليفورنيا وخليج المكسيك، تتشكل كتلة هوائية قاسية تجمع بين برد قارس، وتساقط كثيف للثلوج، وظروف قد تهدد الحياة.



أما في نصف الكرة الجنوبي، فيحدث العكس، إذ تتحرك الدوامة القطبية المحيطة بالقارة القطبية الجنوبية شمالًا. غير أن هذه الاندفاعات الباردة نادرًا ما تصل إلى مناطق مأهولة بالسكان بنفس القدر الذي تبلغه نظيرتها في القطب الشمالي، ما يجعل تأثيرها أقل اتساعًا على البشر.


إذا كنت تشعر أن عواصف الدوامة القطبية باتت أكثر تكرارًا مما كانت عليه في الماضي، فشعورك في محله.


أظهرت عدة دراسات ازديادًا واضحًا في الظواهر الجوية المرتبطة بها، ويُعزى كثير منها إلى الارتفاع السريع في درجات حرارة القطب الشمالي. ويبدو أن هذا السيناريو يتكرر الآن بالفعل؛ إذ يشير المركز الوطني الأمريكي لبيانات الثلوج والجليد إلى أن الجليد البحري في القطب الشمالي بلغ أدنى مستوى له على الإطلاق في هذا التوقيت من العام.


عندما تضرب موجة من الدوامة القطبية، قد تتحول سريعًا إلى خطر قاتل. فالأشخاص غير المحميين جيدًا من درجات الحرارة المتجمدة قد تظهر عليهم أعراض انخفاض حرارة الجسم خلال أقل من ساعة من التعرض المباشر. وتزداد المخاطر مع سقوط خطوط الكهرباء، وارتفاع حوادث السير، وتأخر وصول فرق الطوارئ، وتستمر درجات الحرارة غالبًا دون الصفر حتى بعد انقضاء العاصفة نفسها.


هل تنفجر الأشجار حقًا؟


رغم التحذيرات المنتشرة على الإنترنت من انفجار الأشجار، فإن الأمر في الواقع لا يستدعي كل هذا القلق.


هذا لا يعني أن الظاهرة غير حقيقية ولن تحدث، بل هي موثقة منذ قرون، لكن نادرًا ما ارتبطت بعواقب خطيرة على البشر، وهي أقل درامية بكثير مما يوحي به الاسم.


فقد وصف علماء الطبيعة هذه المشاهد منذ زمن بعيد. فكتب عالم النبات الأسكتلندي جون كلوديوس لودون في موسوعة البستنة عن شتاء عام 1683: «في موجة الصقيع الكبرى، تشققت جذوع أشجار البلوط والدردار والجوز وغيرها تشققًا بالغًا، حتى بات من الممكن رؤية ما بداخلها، وكانت هذه التشققات تصاحبها أصوات مروعة تشبه انفجار الأسلحة النارية».


«في شتاء عام 1837–1838 شُوهد تمزق سيقان شجيرات كاملة بفعل الصقيع، وتشقق أخشاب بعض الأشجار دائمة الخضرة بالطريقة نفسها».


لم تقتصر معرفة هذه الظاهرة على العلماء فقط، إذ إن بعض الثقافات الأصلية اعتادتها إلى حد استخدامها لتحديد فترات في تقويمها القمري. مثلًا، يطلق شعب لاكوتا في ولايات داكوتا على إحدى فترات الشتاء اسم Cannápopa Wi أي (القمر الذي تتشقق فيه الأشجار من شدة البرد).


لكن ما الذي يحدث فعليًا؟


انفجار الأشجار -أو بالأحرى تشققها- يشبه إلى حد بعيد ما يحدث لزجاجة ماء عندما تُترك في مجمّد الثلاجة فترة طويلةً. فعندما تنخفض درجات الحرارة إلى ما دون الصفر المئوي، يبدأ النسغ -العصارة الداخلية للنبات- داخل بعض الأشجار بالتجمد والتمدد. وإذا اشتد البرد، ليصل إلى نحو -28° درجة مئوية أو أقل، ينكمش اللحاء الخارجي بسرعة أكبر من الطبقات الداخلية. ومع ازدياد الضغط، لا تجد الشجرة مفرًا سوى التشقق، مصحوبًا بصوت حاد يشبه الانفجار.


يشرح خبير الأرصاد الجوية شون كابل أن هذه الظاهرة تحدث عادًة في الليالي الصافية والهادئة، خصوصًا في ساعات الفجر الأولى، حين تنخفض درجات الحرارة بسرعة.


ويوضح أنها قد تصيب أنواعًا مختلفة من الأشجار، من بينها القيقب والدردار وأشجار التفاح والحور والصفصاف، إضافةً إلى الأشجار الصغيرة التي لم تطوّر بعد لحاءً سميكًا يحميها.


مع أن هذا التشقق قد يُلحق ضررًا بالشجرة أحيانًا، فإن معظمها يتمكن من مواصلة النمو بعد ذوبان الجليد وعودة الدفء في الربيع.


إذن ليست (الأشجار المنفجرة) هي ما ينبغي الخوف منه حقًا، بل الدوامة القطبية نفسها، بما تحمله من برد قاسٍ وظروف مناخية قد تكون مميتة.


كيف يمكنك الحفاظ على سلامتك في موجات البرد القارسة؟


للتهيؤ لموجات البرد القارس، توصي هيئة الأرصاد الجوية الوطنية الأمريكية بمتابعة نشرات الطقس المحدثة باستمرار، وتعديل خططك اليومية وفقًا لها، لتجنب الوقوع في مواقف قد تجد فيها نفسك عالقًا في درجات حرارة شديدة البرودة.


إذا اضطررت للقيادة، احرص على ألا يقل مستوى الوقود في سيارتك عن نصف الخزان، حتى تتمكن من تشغيل تدفئة السيارة حال تعطلت أو علقت على الطريق. يُنصح بالتحقق من جاهزية حقيبة الطوارئ الشتوية داخل السيارة، وتحديث محتوياتها بما يتناسب مع ظروف البرد القاسية.


واحرص على تقليل الوقت الذي تقضيه في الخارج قدر الإمكان، خاصة خلال موجات البرد الشديد. وإذا اضطررت للخروج، ارتدِ طبقات متعددة من الملابس المُدفئة، ولا تنسَ استخدام واقي الشمس، مع الانتباه لأي علامات تدل على قضمة الصقيع أو انخفاض درجة حرارة الجسم.


ففي ظل برودة الرياح التي تصل إلى 10° درجة مئوية تحت الصفر أو أقل، قد تبدأ قضمة الصقيع بالظهور خلال 30 دقيقة فقط أو أقل.


كذلك يجب توخي حذر شديد عند تشغيل المولدات الكهربائية في أثناء انقطاع التيار الكهربائي. فالاستخدام غير السليم قد يؤدي إلى التسمم بأول أكسيد الكربون، إلى جانب مخاطر أخرى لا تقل خطورة.


في حال انقطاع الكهرباء بالفعل، من المهم اتباع مجموعة من الإرشادات التي تساعدك على الحفاظ على الدفء وحماية سلامتك وسلامة أسرتك إلى أن تعود الخدمة.

 

 

 

 



المصادر:


الكاتب

محمد اسماعيل

محمد اسماعيل
تدقيق

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة