لماذا تغير مناخ الأرض قديمًا بشكل أسرع مما اعتقد العلماء؟
يرجع السبب الرئيسي وراء التغير المناخي السريع الذي نشهده الآن في المقام الأول إلى الغازات الدفيئة، التي لا ينفك البشر يطلقونها في الغلاف الجوي. أظهرت نتائج جديدة مستمدة من عينات جليدية قديمة في القارة القطبية الجنوبية أن هذا لم يكن الحال دائمًا خلال ثلاثة ملايين سنة الماضية من تاريخ مناخ الأرض.
وفقًا لنتائج دراستين حديثتين نُشرتا في مجلة نيتشر، قد يكون لدرجات حرارة المحيطات عند بعض المراحل الانتقالية في تاريخ الأرض دور أكبر في التأثير في مناخ الأرض مقارنةً بالغازات الدفيئة.
حلل فريقان بحثيان لُبات جليدية استُخرجت من منطقة تلال آلن، وهي منطقة من الجليد الأزرق في القارة القطبية الجنوبية. تُعد هذه العينات من أقدم عينات الجليد المعروف على سطح الأرض، إذ يعود تاريخ بعضها إلى نحو ستة ملايين سنة.
تُشكل مناطق الجليد الأزرق مثل منطقة تلال آلن نحو 1% فقط من مساحة الغطاء الجليدي في القارة القطبية الجنوبية. وسُميت بهذا الاسم لأن الرياح القوية تزيل الثلوج الحديثة السطحية باستمرار، ما يُبقي الجليد الأقدم مكشوفًا على السطح.
تتميز منطقة تلال آلن بأنها لم تشهد حركة جيولوجية تُذكر، سواء أفقية أو رأسية، ما يجعلها موقعًا فريدًا لاستخراج اللبات الجليدية شديدة القدم.
تُعد لُبات الجليد من أفضل الأرشيفات الطبيعية التي تسجل تاريخ مناخ الأرض على الأمد الطويل.
مع ذلك، فهي لا تُقدم دائمًا سجلًا متصلًا وكاملًا. مثلًا، تحتوي لُبات تلال آلن على طبقات غير مرتبة زمنيًا، نتيجة الطريقة التي تراكم بها الجليد عبر آلاف السنين.
مع ذلك، تمثل كل طبقة جليدية صورة مناخية للفترة المرافقة لها، يمكن من خلالها استنتاج الكثير عن الظروف السائدة وقت تجمدها، وتوجد كذلك طرق علمية لفك رموز هذه السجلات.
فبعض نظائر اللبات في الجليد تعطي مؤشرات على درجة حرارة المحيطات، في حين تشير الشوائب -مثل الرماد البركاني والجسيمات الأخرى- إلى مصادر تلوث الهواء في تلك الفترة.
أهم من ذلك لعلماء المناخ أن الجليد يحتفظ بفقاعات دقيقة من الهواء، تكشف عن تركيب الغلاف الجوي في الماضي منذ ملايين السنين.
قادت عالمة تاريخ المناخ سارة شاكلتون، من معهد وودز هول لعلوم المحيطات، فريقًا دوليًا لدراسةٍ ركزت أساسًا على تغير درجات حرارة المحيطات العالمية خلال ثلاثة ملايين سنة الماضية.
أتاح غازا الزينون والكريبتون المذابان -من الغازات النبيلة التي تختلف درجة ذوبانها باختلاف درجة الحرارة- وسيلةً لتقدير درجة حرارة المحيطات في الماضي.
تشير تلك القياسات غير المباشرة إلى أن المحيطات شهدت انخفاضًا حادًا في درجات حرارتها قبل نحو 2.7 مليون سنة، ما يتوافق تقريبًا مع فترة الانتقال بين حقبة البليوسيني وحقبة البليستوسين التاريخية، إذ انتقلت درجة حرارة مناخ الأرض تدريجيًا من حالة دافئة إلى حالة أبرد، ما أدى إلى تشكُل الأنهار الجليدية في أجزاء واسعة من نصف الكرة الشمالي.
تُظهر بيانات لبات الجليد أن متوسط درجات حرارة المحيطات ظلت مستقرة نسبيًا خلال فترة الانتقال البليستوسيني الأوسط، وهو تحول آخر في دورات العصور الجليدية وقع بين نحو 0.8 و1.2 مليون سنة مضت.
في الوقت ذاته، توصل فريق آخر بقيادة عالمة الجيوكيمياء جوليا ماركس-بيترسون من جامعة ولاية أوريغون، بتحليل لبات الجليد نفسها، إلى أن مستويات ثاني أكسيد الكربون والميثان في الغلاف الجوي ظلت مستقرة إلى حد بعيد خلال ثلاثة ملايين سنة الماضية.
كتب الفريق: «رغم تعقيد السجلات المناخية المستمدة من مناطق الجليد الأزرق في القارة القطبية الجنوبية، تُظهر بياناتنا بوضوح إمكانية تتبع قياسات الغازات الدفيئة في لُبات الجليد حتى أواخر العصر البليوسيني، ما يوفر لنا صورة تاريخية عن نظام مناخ الأرض خلال حقبة تاريخية من البرودة وانخفاض مستوى سطح البحر على مستوى العالم».
يشير عالم المناخ إريك وولف من جامعة كامبريدج إلى أن هذه النتائج قد تعني أحد أمرين: إما أن نمو الصفائح الجليدية واستمرارها كان شديد الحساسية للتغيرات الطفيفة جدًا في تركيز ثاني أكسيد الكربون، أو أن تغيرات مناخ الأرض في الماضي كانت مدفوعة بعوامل أخرى.
قد يُقدم عمل شاكلتون وزملائها مزيدًا من الاجابات لفهم هذا اللغز، إذ رصدوا ما يبدو أنه انفصال في السلوك بين تغيرات درجات حرارة سطح البحر ومتوسط درجة حرارة المحيطات.
إن فهم كيفية عمل مناخ الأرض قبل أن يبدأ البشر التأثير عليه سلبيًا على نطاق واسع يُعد أمرًا أساسيًا إذا أردنا إيجاد طرق لإعادة استقراره.
مع ذلك، تظل هناك قيود على تفسير بيانات لُبات الجليد، كما أوضحت شاكلتون مؤخرًا في إحدى حلقات بودكاست مؤتمرات العلوم. إذ قالت: «لا تزال هذه السجلات حديثة نسبيًا، أيضًا فإن تفسيرها أعقد مقارنةً بلبات الجليد المتصلة التي اعتدنا العمل عليها».
«نظرًا إلى شدة انضغاط الجليد -خاصةً الأقدم- فمن المرجح أننا نحصل على متوسطات تاريخية تمتد عبر دورات جليدية وفترات بين جليدية، ما يجعلنا غير قادرين حاليًا على تتبع تطور المناخ بدقة خلال هذه الفترات».
«ما زال من غير الواضح بدقة ما الذي تعكسه هذه السجلات، من حيث مدى سلاسة البيانات أو حجم المتوسطات التي تمثلها، عند المقارنة بين الظروف الجليدية وتلك التي تقع بين الفترات الجليدية المختلفة».
المصادر:
الكاتب
محمد اسماعيل
