لماذا لا يصدأ الذهب؟

23 يونيو 2026
10 مشاهدة
0 اعجاب

لماذا لا يصدأ الذهب؟



توجد عدة أسباب وجيهة تجعل من الذهب أحد أثمن المعادن على وجه الأرض. نذكر من بين هذه الأسباب البريق الساطع الذي يتميز به، إذ إنه، على خلاف العديد من المعادن الأخرى، يتميز بمقاومة كبيرة لظواهر مثل الصدأ وفقدان اللمعان والتآكل، الأمر الذي يعطيه لونه الأصفر المتقد الذي يدوم آلاف السنين. تعرف هذه الخاصية بـ «النبل الكيميائي»، التي تصف التفاعل الضعيف للذهب مع العناصر الأخرى.


يعد الذهب المعدن الأكثر نبلًا من كل المعادن، فهو لا يتفاعل بسهولة مع مواد مثل الأكسجين الذي عادةً ما يكون روابط مع الذرات التي تشكل الطبقات السطحية للمعادن الأخرى، وهو ما يفضي إلى صدأ المعدن أو فقدانه لمعانه. وقد تمكن مؤخرًا عالمي الكيمياء الحوسبية من جامعة تولين بالولايات المتحدة، سانتو بيسواس وماثيو م. مونتيمور، من كشف السبب وراء هذه الخاصية.


يشكل تنسيق الذرات في الطبقات السطحية من الذهب، حسب ما توصل إليه الباحثان، نمطًا محكم التراص لدرجة أن جزيئة ثنائي الأكسجين، التي عادةً ما تتفاعل مع المعادن الأخرى، لا تستطيع أن تتفكك بسهولة لكي تحفز عملية الأكسدة. إلا أن مجرد إرخاء بسيط لهذا التراص يجعل الذهب أكثر عرضةً للصدأ على نحو ملحوظ، وهو ما قد يكون مفيدًا في واقع الأمر، إذ تعد عملية تنشيط الأكسجين في مجال الكيمياء خطوةً محوريةً تمهد لحصول تفاعلات أخرى.


نعطي مثالًا لذلك بالتفاعل الآتي؛ فمن أجل تحويل جزيئة أحادي أكسيد الكربون إلى جزيئة ثنائي أكسيد الكربون، نحتاج إلى ذرة أكسجين نشطة ومتاحة لكي ترتبط بجزيئة CO في تفاعل تنتج عنه جزيئة CO2. يأتي العلماء بذرة الأكسجين هذه من عملية تنشيط جزيئة ثنائي الأكسجين باستعمال سطح معدني يساعد على شطر الجزيئة إلى ذرتي أكسجين عاليتي النشاط.


يُعد الذهب محفزًا مناسبًا على نحو خاص لهذه العملية نظرًا إلى خموله الشديد، أي أنه لا يتفاعل كثيرًا مع ذرات أو جزيئات أخرى. أما المحفزات الأخرى التي تستعمل في عملية التنشيط، فتكون أنشط، ما قد يؤدي إلى تكون نواتج إضافية غير مرغوب فيها، أو أن يكوّن المحفز نفسه رابطةً قوية مع الأكسجين ما يفضي إلى تآكله بمرور الوقت.


قد يظن المرء، في المقابل، أن الذهب مرشح سيئ لهذا النوع من العمليات، إلا أن العلماء توصلوا في ثمانينيات القرن الماضي إلى اكتشاف مفاجئ، فمع أن الذهب بحجمه الاعتيادي لا يصلح أن يكون محفزًا لتنشيط الأكسجين، فإن جسيمات ذات حجم نانوي من الذهب قد أظهرت فعاليةً مذهلة في عملية التنشيط. وقد أثار هذا الاكتشاف سؤالًا جوهريًا: إذا كان الذهب يقاوم الأكسجين بهذه الشدة، فكيف تتمكن هذه الجسيمات الذهبية متناهية الصغر من تحفيز تفاعلات الأكسدة؟ 


تشير الدراسة الجديدة إلى أن الإجابة قد تكمن في طريقة ترتيب الذرات في الطبقات السطحية للذهب. استخدم بيسواس ومونتيمور عمليات المحاكاة الحاسوبية لدراسة ما يحدث عندما تلتقي جزيئات الأكسجين ومجموعة من الأسطح الذهبية النانوية لها ترتيبات ذرية مختلفة، وركزوا خصوصًا على نوعين مختلفين من الأنماط السطحية: الأسطح «المعاد بناؤها» حيث تستقر الذرات في ترتيب سداسي شديد التراص ينحو إليه الذهب بشكل طبيعي، والأسطح «غير المعاد بناؤها» التي تشكل أنماطًا مربعة الشكل أقل تكثفًا من الأولى. 


وجدوا فرقًا هائلًا بين هذين النوعين من الأسطح، فقد سار التفاعل تمامًا كما كان متوقعًا له في حالة الأسطح المعاد بناؤها، إذ لم تجر على مستوى هذه الأسطح عملية تفكك جزيئة ثنائي الأكسجين إلى ذرتي أكسجين، وهو ما لوحظ بالفعل في التجارب الواقعية عند استعمال قطعة من الذهب بحجمه الاعتيادي. أما فيما يخص الأسطح غير المعاد بناؤها، فقد كانت النتيجة مغايرةً كليًا، إذ تفككت جزيئات الأكسجين بسهولة تامة. 


تشير عمليات المحاكاة أن السبب في ذلك يعود إلى أن جزيئات الأكسجين لم تستطع إيجاد حيز كاف للتفكك بسهولة على مستوى السطح السداسي شديد التراص، في حين أن الأنماط المربعة تتمتع بهندسة أقل تكثفًا توفر تلقائيًا ذلك الحيز البيني الذي تحتاج إليه جزيئات الأكسجين، ما يجعلها تتفكك بسهولة أكبر. لكن قد نطرح السؤال: إلى أي حد تصل هذه السهولة؟ 


وجد الباحثون أنها تفوق ما تصوروه بأضعاف، إذ وقعت عملية تفكك الأكسجين على مستوى الأسطح غير المعاد بناؤها بسهولة أكبر بمليارات إلى تريليونات المرات مقارنةً بالأسطح المعاد بناؤها. وقد يساعد هذا المعطى في تفسير سبب الاختلاف الشديد في سلوك جسيمات الذهب ذات الحجم النانوي عن سلوك الذهب بحجمه الاعتيادي، فقد لا تطور الجسيمات الصغيرة بشكل كامل الأسطح المعاد بناؤها شديدة التراص التي نراها في قطع الذهب الأكبر حجمًا، ما يترك الكثير من المساحات مربعة الشكل أكثر تفاعليةً مكشوفة.


تجدر الإشارة إلى أن هذا التراص المحكم للذرات على سطح قطعة من الذهب بحجمه الاعتيادي لم ينشأ بالضرورة بهدف مقاومة الأكسدة، بل لأنه يشكل التنسيق الأكثر استقرارًا للمعدن، وما مقاومة التآكل إلا أثر جانبي رائع لهذا الاستقرار.


قد تساعد هذه النتائج الجديدة العلماء على صنع محفزات لعملية تنشيط الأكسجين من الذهب، تمنح توازنًا بين التنشيط الفعال للأكسجين من جهة، وبين مقاومة تآكل المعدن من جهة أخرى . كتب الباحثون: «يقدم هذا العمل فهمًا جديدًا لأسباب خمول الذهب الشديد تجاه ثنائي الأكسجين، ويشير إلى أن إنشاء أسطح ذات بنيات مربعة أو مستطيلة قد يعزز على نحو كبير من النشاط التحفيزي لتفاعلات الأكسدة على الذهب. لذا توفر النتائج التي توصلنا إليها إستراتيجيةً جديدةً لتصميم محفزات من الذهب، تقلل من إعادة البناء السطحي أو تعمل على تثبيت الأنماط مربعة الشكل لتعزيز عملية تنشيط ثنائي الأكسجين».





المصادر:


الكاتب

فاطمة الزهراء حيرا

فاطمة الزهراء حيرا
تدقيق

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة