لماذا يتباطأ دوران الأرض؟ دراسة تكشف دور النشاط البشري في إطالة الزمن
ترجمة: محمد إسماعيل
تدقيق: أكرم محيي الدين
التصنيف: علوم الأرض
المصدر:
Earth's Days Are Getting Longer, And Humans May Be Why : ScienceAlert
تشير دراسة حديثة إلى أن طول اليوم على كوكب الأرض آخذ في الازدياد، نتيجةً للتغير المناخي الناجم عن النشاط البشري، الذي يؤدي بدوره إلى ذوبان الأنهار الجليدية والصفائح الجليدية، وإعادة توزيع كتلة الكوكب، ومن ثم إبطاء دورانه.
نتيجة لذلك، يزداد طول اليوم حاليًا بمعدل يبلغ نحو 1.33 مللي ثانية لكل قرن، وهو معدل يعد استثنائيًا مقارنةً بما شهدته الأرض خلال ملايين السنين الماضية.
إذا استمر هذا الاتجاه، فقد يتجاوز تأثير التغير المناخي على طول اليوم تأثير القمر ذاته بحلول نهاية هذا القرن، في تطور لافت -وإن كان غير مرغوب- يعكس حجم التأثير البشري في نظام كوكب الأرض.
عرضت هذه النتائج في دراسة حديثة أعدها علماء في علوم الأرض من جامعة فيينا والمعهد السويسري للتكنولوجيا في زيورخ.
في الدراسة، التي تعد الأولى من نوعها، حلل الباحثون كائنات بحرية متحجرة تعرف باسم المنخربات (Foraminifera)، وطوروا خوارزمية تعتمد على التعلم العميق لتقدير تغيرات مستوى سطح البحر، ومن ثم حساب التغيرات في طول اليوم على مدى يقارب أربعة ملايين عام.
أوضح مصطفى كياني شاهفندي، عالم المناخ والفيزياء الجيوفيزيائية بجامعة فيينا: «يمكننا من خلال التركيب الكيميائي لمتحجرات المنخربات، استنتاج تقلبات مستوى سطح البحر، ومن ثم اشتقاق التغيرات المقابلة في طول اليوم رياضيًا».
تعد المنخربات ذات أهمية خاصة نظرًا إلى قدرتها الفريدة على حفظ السجل الجيولوجي بدقة عالية. فهي كائنات وحيدة الخلية تكون حول نفسها أصدافًا -معقدة البنية غالبًا- باستخدام المعادن الذائبة في مياه البحر.
منذ ظهورها قبل أكثر من 500 مليون عام، وانتشارها في مختلف البيئات البحرية، أصبحت بقاياها بمثابة أرشيف طبيعي يسجل تاريخ التغيرات المناخية عبر العصور الزمنية المختلفة.
عزز الباحثون نتائجهم باستخدام نموذج حديث طوروه يعتمد على الفيزياء، يعرف بنموذج الانتشار الموجه بالفيزياء. وهو أسلوب قائم على التعلم العميق الاحتمالي، صمم للتعامل خاصة مع حالات عدم اليقين من بيانات علم المناخ القديم وتعويضها.
«يجسد هذا النموذج الفيزياء المتحكمة في تغير مستوى سطح البحر، مع احتفاظه بقدرته على التعامل بمرونة مع مستويات عدم اليقين الكبيرة الكامنة في بيانات المناخ القديم».
تعزز هذه الدراسة وتوسع نتائج أبحاث سابقة للفريق، أوضحت كيف يؤدي ذوبان الأنهار الجليدية والصفائح الجليدية القطبية إلى انتقال كتلة الأرض من القطبين نحو خط الاستواء.
ويؤدي هذا التحول إلى تغيير في تفلطح الأرض، أي الانتفاخ عند خط الاستواء، وهي سمة فيزيائية تميز العديد من الأجسام الدوارة. ونتيجةً لإعادة توزيع الكتلة، يتباطأ دوران الأرض، في ظاهرة تشبه ما يحدث لمتزلج على الجليد عندما يمد ذراعيه إلى الخارج، فتتباطأ سرعته الدورانية.
تحديدًا، سعت هذه الدراسة لمقارنة تأثير ازدياد طول اليوم الحالي مقارنةً بالماضي. أظهر التحليل أن هذا التأثير لم يسجل له مثيل منذ عصور جيولوجية سحيقة، باستثناء بعض الفترات المناخية الحرجة التي شهدت نموًا أو ذوبانًا سريعًا للصفائح الجليدية نتيجة تبريد أو احترار مفاجئ للأرض.
«تشير هذه الزيادة السريعة في طول اليوم إلى أن معدل التغير المناخي الحالي غير مسبوق. على الأقل منذ أواخر عصر البليوسين قبل نحو 3.6 مليون سنة. لذلك يمكن إرجاع هذا التسارع الحالي في طول اليوم، بدرجة كبيرة، إلى التأثيرات البشرية».
مع أن زيادة قدرها 1.33 مللي ثانية قد تبدو ضئيلة مقارنةً بإجمالي 86,400 ثانية في اليوم، فإنها كافية لإحداث اضطرابات ملموسة في أنظمة الاتصالات وتقنيات الملاحة الفضائية.
بل إن بعض النماذج الأكثر تشاؤمًا تشير إلى احتمال تسارع هذا الاتجاه، ليصل التغير إلى نحو 2.62 مللي ثانية لكل قرن خلال العقود الأخيرة من القرن الحادي والعشرين، وهو معدل قد يتجاوز تأثير القمر في تحديد طول اليوم على الأرض.
«لم يحدث سوى مرة واحدة فقط -قبل نحو مليوني عام- أن اقترب معدل التغير في طول اليوم من المستويات الحالية، ومع ذلك، لم يشهد الكوكب قبل ذلك أو بعده أي حالة ارتفعت فيها مستويات سطح البحر بهذه السرعة كما حدث خلال الفترة بين عامي 2000 و2020».
من منظور علمي بحت ومحايد، فإن قدرة البشر على التأثير في ميكانيكا دوران كوكب بأكمله تعد دليلًا لافتًا وهائلًا على حجم التأثير الذي قد تبلغه الأنشطة البشرية.
لكن في الواقع، يمثل هذا التأثير محصلة سلبية على كوكبنا، ويترتب عليه -من بين أمور أخرى- زيادة طفيفة في طول يوم العمل للفرد.
المصادر:
الكاتب
محمد اسماعيل
