ما الجاذبية الكمومية؟ وهل يمكنها تفسير نشأة الكون؟

14 يونيو 2026
8 مشاهدة
0 اعجاب

ما الجاذبية الكمومية؟ وهل يمكنها تفسير نشأة الكون؟



طرح العلماء مؤخرًا تصورًا جديدًا للجاذبية قد يساهم في تفسير كيفية نشأة الكون في لحظة الانفجار العظيم، وربما يعيد تشكيل فهمنا الكامل للبدايات الأولى للكون. ويستند هذا التصور إلى إطار فيزيائي يُعرف باسم الجاذبية الكمية، وهو محاولة للجمع بين فيزياء الجاذبية التي تفسر الأجسام الضخمة والكواكب والمجرات، وبين فيزياء الكم التي تفسر سلوك الجسيمات الدقيقة للغاية.


يرى الباحثون أن هذا الإطار الجديد قد ينجح في تفسير أمور عجزت عنها نظرية النسبية العامة التي وضعها الفيزيائي ألبرت أينشتاين عام 1915. وقد يقدم تفسيرًا أكثر اتساقًا للحظات الأولى من عمر الكون، وربما يزيل الحاجة إلى مفهوم المتفردة، وهي الحالة التي يُعتقد أنها سبقت الانفجار العظيم مباشرة.


حدود النسبية العامة عند بداية الكون


تُعد النسبية العامة واحدة من أنجح النظريات الفيزيائية في التاريخ، إذ تمكنت من تفسير حركة الكواكب، وتمدد الكون، وسلوك الثقوب السوداء، وانحناء الضوء بفعل الجاذبية. وقد أثبتت دقتها في عدد هائل من الاختبارات العلمية والرصدية.


لكن المشكلة تظهر عندما يحاول العلماء استخدام هذه النظرية للعودة بالزمن إلى اللحظات الأولى جدًا من عمر الكون، أي إلى لحظة الانفجار العظيم نفسها. فعند تلك النقطة، تتنبأ معادلات النسبية العامة بوجود حالة تُعرف باسم المتفردة، وهي نقطة تصل فيها كثافة المادة والطاقة، وانحناء الزمكان، ودرجة الحرارة إلى قيم لا نهائية.


في الفيزياء، عندما تؤدي المعادلات إلى قيم لا نهائية، فإن ذلك غالبًا ما يعني أن النظرية نفسها لم تعد قادرة على وصف الواقع بدقة في تلك الظروف القصوى.


أوضح الباحث أفشوردي أن هذا يشير إلى أن النسبية العامة ليست نظرية مكتملة عندما يتعلق الأمر بوصف البدايات الأولى للكون، لأن تلك المرحلة لا تخضع للجاذبية وحدها، بل تتداخل فيها أيضًا التأثيرات الكمية التي تتحكم في عالم الجسيمات الدقيقة.


الفكرة التقليدية عن الانفجار العظيم


وفق الصورة التقليدية السائدة في علم الكونيات، يبدأ العلماء من نظرية أينشتاين للجاذبية، ثم يضيفون إليها عناصر إضافية لتفسير بعض الظواهر التي حدثت بعد الانفجار العظيم مباشرة.


من أهم هذه الإضافات ما يُعرف بالتضخم الكوني، وهو افتراض يقول إن الكون مر في جزء صغير جدًا من الثانية الأولى بمرحلة توسع هائل وسريع للغاية، تضاعف خلالها حجم الكون بشكل يفوق التصور.


وُضعت فكرة التضخم لتفسير عدة ظواهر، منها سبب تجانس الكون الحالي، وسبب تشابه درجات الحرارة في مناطق شاسعة ومتباعدة من الكون مع أنها لم تكن متصلة ببعضها وفق التصور التقليدي.


لكن الباحثين في الدراسة الجديدة تساءلوا عما إذا كان بالإمكان تفسير هذه الظواهر دون الحاجة إلى إضافة حقول وافتراضات منفصلة عن الجاذبية نفسها.


هل يمكن أن تنشأ خصائص الكون المبكر من الجاذبية وحدها؟


يقترح الفريق البحثي أن الجاذبية قد تكون أعقد مما تصفه النسبية العامة، وأنها إذا عُدلت بطريقة متوافقة مع ميكانيكا الكم، فقد تصبح قادرة على تفسير سلوك الكون المبكر.


وبدلًا من اعتبار الانفجار العظيم نقطة تنهار عندها القوانين الفيزيائية، يحاول النموذج بناء نظرية تبقى متماسكة حتى في الظروف ذات الطاقات الهائلة جدًا التي سادت في بداية الكون.


يطلق الفيزيائيون على هذا النوع من النظريات اسم الإكمال فوق البنفسجي، والمقصود به بناء نظرية تستطيع الاستمرار والعمل بصورة منطقية ومتسقة حتى عند أعلى مستويات الطاقة الممكنة، دون أن تنهار معادلاتها أو تعطي نتائج غير فيزيائية.


التضخم الكوني قد يكون ناتجًا من الجاذبية نفسها


أظهرت نتائج الدراسة أن النموذج الجديد، الذي يوسع مفهوم الجاذبية ليصبح متوافقًا مع التأثيرات الكمية، استطاع أن يعيد إنتاج مرحلة تشبه التضخم الكوني المبكر طبيعيًا.


هذا يعني أن مرحلة التوسع السريع الهائل التي يُعتقد أنها حدثت بعد الانفجار العظيم ربما لا تحتاج إلى حقل تضخم منفصل كما تفترض النماذج التقليدية، بل قد تكون ناتجة مباشرة من خصائص الجاذبية ذاتها عندما تُوصف بطريقة أكثر اكتمالًا.


أشار أفشوردي إلى أن أكثر ما أثار دهشته هو أن هذه المرحلة التضخمية ظهرت تلقائيًا فور تطوير النظرية لتصبح متسقة مع فيزياء الطاقات العالية.


وأضاف أن العلماء اعتادوا النظر إلى التضخم الكوني بوصفه عنصرًا إضافيًا يُضاف إلى نظرية الجاذبية، لكن نتائج الدراسة الحالية توحي بأن التضخم قد يكون متولدًا من الجاذبية نفسها، ما قد يغير فهم العلماء لطبيعة الكون المبكر جذريًا.


توافق النموذج مع البيانات الحالية


ذكر الباحثون أن النموذج الجديد لا يقتصر على كونه فكرة نظرية فقط، بل إنه يتوافق أيضًا بصورة جيدة مع البيانات الرصدية المتوافرة حاليًا حول الكون.


بل إن نتائج النموذج، بحسب الباحثين، كانت في بعض الحالات أفضل من نتائج عدد من نماذج التضخم التقليدية المستخدمة حاليًا في علم الكونيات.


يرى الفريق أن هذا الأمر مشجع للغاية، لأنه يشير إلى أن تعديلًا محدودًا نسبيًا على نظرية أينشتاين قد يكون كافيًا لمعالجة واحدة من أعقد المشكلات في الفيزياء الحديثة، وهي كيفية نشأة الكون.


أوضح أفشوردي أن العمل ما يزال في مراحله الأولى، وأن الفريق يسعى الآن إلى تطوير النموذج بصورة أعمق، واختبار مدى صموده في ظروف أعقد من تلك التي تناولتها الدراسة الحالية.


يركز الباحثون على استخراج تنبؤات رصدية واضحة يمكن اختبارها مستقبلًا باستخدام التلسكوبات والأجهزة العلمية الحديثة.


يأمل العلماء في التوصل إلى إشارات يمكنها التمييز بين هذا النموذج الجديد وبين النماذج التقليدية الخاصة بالتضخم الكوني.


كيف يمكن اختبار هذه النظرية؟


قد يأتي الدليل الأهم على صحة هذه الفكرة من دراسة أقدم الإشارات الكونية التي ما تزال موجودة حتى اليوم.


من أبرز هذه الإشارات ما يُعرف بالموجات الثقالية البدائية، وهي تموجات دقيقة جدًا في الزمكان يُعتقد أنها تشكلت في المراحل الأولى للغاية من عمر الكون.


كذلك قد تساعد دراسة الخلفية الكونية الميكروية في اختبار هذه النظرية. والخلفية الكونية الميكروية هي الإشعاع المتبقي من الضوء الأول الذي انتشر في الكون بعد نشأته بزمن قصير، وتُعد بمثابة سجل محفوظ للمراحل المبكرة جدًا من تاريخ الكون.


ويعتقد الباحثون أن الأنماط الدقيقة الموجودة في هذا الإشعاع قد تحمل آثارًا مباشرة للطريقة التي بدأ بها الكون.


أشار أفشوردي إلى أن هذه الظواهر تُعد من الوسائل القليلة القادرة على كشف طبيعة الفيزياء التي حكمت الكون في الأزمنة المبكرة جدًا، والتي يستحيل إعادة إنتاجها في المختبرات الأرضية.


وأضاف أنه إذا تمكنت الرصود المستقبلية من اكتشاف النمط الصحيح للموجات الثقالية البدائية، أو العثور على بصمات مميزة داخل الخلفية الكونية الميكروية، فقد يصبح بالإمكان التحقق مما إذا كانت هذه الصورة الجديدة عن الكون المبكر صحيحة، أو ما إذا كانت النماذج التقليدية ما تزال التفسير الأفضل.



المصادر:


الكاتب

طيبة غازي

طيبة غازي
تدقيق

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة