ما الذي جعل الشرق الأوسط غنيًا بالنفط؟ إنه السبب نفسه الذي أدى إلى تشكل مضيق هرمز!
تسبب اصطدام قاري قديم في حبس كميات هائلة من النفط في المنطقة التي تُعرف اليوم بإيران، ما أبقى هذا النفط عالقًا خلف مضيق هرمز، وهو الممر البحري الضيق الذي يمر عبره نفط الخليج إلى الأسواق الدولية.
تمر نحو خُمس شحنات النفط والغاز الطبيعي المُسال في العالم عبر مضيق هرمز، الذي يربط الخليج العربي بالأسواق الدولية.
أدت التوترات التي أعقبت الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز وإثارة مخاوف من أزمة طاقة عالمية محتملة.
لا يعد ذلك مجرد معضلة جيوسياسية، بل نتيجة مباشرة لحقائق جيولوجية. فالسبب الذي جعل منفذ الخليج ضيقًا إلى هذا الحد هو نفسه الذي جعل المنطقة تزخر بأغنى ثروات النفط والغاز على سطح الأرض، ويتمثل في ظاهرة التصادم القاري التي استغرقت ملايين السنين.
تقع إيران عند خط التقاء الصفيحة التكتونية العربية، التي تضم السعودية والخليج العربي، مع الصفيحة الأوراسية. وقد أدّى هذا الاصطدام بين القارتين إلى تجعّد القشرة الأرضية ورفعها لتشكّل سلسلة جبال زاغروس الممتدة في إيران.
تمارس هذه الجبال بثقلها الضغط على الصفيحة العربية وتجعلها تنحني كما تنحني المسطرة عندما تُضغط من طرفيها.
تسبب هذا الانحناء في نشأة منخفض على القشرة الأرضية يُعرف باسم الحوض الأمامي، وهو مكان مثالي لتراكم كميات هائلة من الهيدروكربونات، أي النفط والغاز. كما يجمع هذا الحوض المياه، مكوِّنًا الخليج العربي الطويل والضيق.
يقول مارك ألين، أستاذ علوم الأرض في جامعة دورهام البريطانية: «أدت مجموعة من الحقائق الجيولوجية إلى وجود هذه الاحتياطيات الضخمة من النفط والغاز في الشرق الأوسط على جانبي الخليج العربي».
قبل مئات الملايين من السنين، كان الطرف الشمالي بما يُعرف اليوم بالصفيحة العربية يشكّل هامشًا قاريًا هادئًا، أي منطقة فاصلة بين القشرة القارية والقشرة المحيطية، لا تشهد نشاطًا تكتونيًا كبيرًا.
يُعد الساحل الشرقي للولايات المتحدة مثالًا حديثًا على هذا النوع من الحدود الجيولوجية.
على مر عصور طويلة، ارتفع مستوى البحر وانخفض مرات عديدة على هذا الهامش الهادئ. ونتيجة لذلك تراكمت طبقات متتالية من الصخور الغنية بالمواد العضوية، مثل الطفل الزيتي والحجر الرملي والحجر الجيري المتشقق، إلى جانب طبقات من الملح وصخور صلبة تعمل غطاءً. ثم تحولت هذه المواد العضوية، بعد دفنها في باطن الأرض بفعل الضغط والحرارة الشديدين إلى النفط والغاز الطبيعي.
أما الحجر الرملي والحجر الجيري فقد وفّرا مساحات مسامية وشقوق قد يتجمع فيها النفط، في حين عملت الصخور الغطائية على احتجازه ومنع تسربه.
تحتوي اليوم هذه المنطقة الجيولوجية على نحو 12% من احتياطي النفط العالمي، وفق مراجعة علمية نُشرت عام 2024 في مجلة نتائج علوم الأرض.
كانت هذه الطبقات العميقة موجودة عندما بدأت الصفيحة العربية، مدفوعة بانفتاح البحر الأحمر من جهتها الجنوبية الغربية، تتحرك ببطء نحو الشمال الشرقي قبل نحو 30 مليون سنة لتصطدم بالصفيحة الأوراسية.
يشبه الأمر اصطدام مقدمتَي سيارتين في حادث مروري، إذ تنضغط القارتان معًا وتتقلصان في الوقت ذاته.
لا تزال الصفيحتان العربية والأوراسية تتحركان إحداهما باتجاه الأخرى بسرعة تقارب 20 مليمتر سنويًا، وهو ما يتسبب أحيانًا في زلازل مدمرة.
أدى هذا الاصطدام إلى تشكّل نطاق جبال زاغروس المطوية والدافعة، وهو ما يصفه الجيولوجيون بأنه حلم الباحثين في علوم الأرض.
يمتد هذا النطاق الجبلي مسافةً تقارب 1600 كيلومتر، من شرق تركيا حتى مضيق هرمز عند مدخل الخليج العربي. وعلى عكس معظم السلاسل الجبلية التي يتحدد شكلها بفعل التعرية أو الجليد، ترسم جبال زاغروس بشكل واضح طيات الاصطدام القاري في سلاسل طويلة متواصلة من التلال.
لا تستطع الجبال الاحتفاظ بالنفط نتيجة تشوهها. لكن المناطق المجاورة لها، حيث تكون التضاريس أقل حدة، تحتوي على طيات جيولوجية مشابهة تحت الأرض تعمل مثل مصايد ضخمة تحتجز النفط والغاز في حقول هائلة.
«تمتلك منطقة زاغروس كل المقومات التي تجعلها مثالية لتكوّن النفط والغاز». وأدى الوزن الهائل لهذه الجبال الى ضغط القشرة الأرضية نحو الأسفل، مكونةً حوض الخليج العربي.
بسبب هذا الضغط في منطقة ضيقة وضحلة، يبلغ عمق الخليج العربي نحو 110 أمتار فقط، في حين يصل عرضه في أوسع نقطة إلى نحو 340 كيلومتر.
يبرز عند مضيق هرمز شبه جزيرة مسندم -التي تضم أجزاء من شمال عُمان وشمال دولة الإمارات العربية المتحدة- ليجعل مخرج الخليج أضيق، إذ لا يتجاوز عرض المضيق نحو 55 كيلومتر.
يُعد المضيق نفسه نتيجة مباشرة لهذا الاصطدام القاري. ويعود جزء كبير من البنية الجيولوجية لسلطنة عُمان إلى اندفاع تكوين جيولوجي ضخم يُعرف باسم أوفيوليت سمائل، وهو كتلة هائلة من القشرة المحيطية دُفعت فوق اليابسة عند انغلاق المحيط القديم الذي كان يفصل بين الصفيحتين العربية والأوراسية.
المضيق أضيق من بقية الخليج لأن الصخور الصلبة في شبه جزيرة مسندم تمتد عموديًا على جبال زاغروس. وعندما أجبر الاصطدام القاري هذين التكوينين الجيولوجيين على الالتقاء، دفعت شبه الجزيرة جبهة الجبال –ومن ثم شكل الخليج- إلى الانحناء كما يحدث عند انثناء خرطوم ماء.
إن المضيق موجود في الأساس نتيجة للجيولوجيا، لكن تأثيره على البشر في الوقت الراهن يتمثل في كونه نقطة اختناق بحرية تؤثر في حركة الملاحة والتجارة الدولية.
المصادر:
الكاتب
لور عماد خليل
