متلازمة نادرة تجعل الناس يرون وجوهًا غير موجودة!

20 مارس 2026
15 مشاهدة
0 اعجاب

متلازمة نادرة تجعل الناس يرون وجوهًا غير موجودة!


 

هل سبق ورأيتم وجهًا يحدق بكم عند النظر إلى الغيوم أو لحاء الأشجار أو مقدمة السيارة؟


هي ظاهرة تُعرف بـ «face pareidolia»، وهو وَهْم طبيعي تمامًا إذ يلاحظ دماغنا وجود وجوه في أنماط هي ليست وجوهًا حقيقية.


بالنسبة إلى معظمنا، تكون هذه الأوهام غير ضارة. لكن تشير الأبحاث الجديدة المنشورة في مجلة (Perception) إلى أن الأشخاص المصابين بمتلازمة الثلج البصري -حالة نادرة في الجهاز العصبي تؤدي إلى وجود «ثبات بصري» مستمر- يعانون تلك الظاهرة بنسبة أكبر.


توفر هذه النتائج نافذة فريدة لفهم آلية عمل الدماغ مفرط النشاط إذ يضخم الخيالات الوهمية الخاطئة التي يراها في العالم من حوله، ويظهر أيضًا أن الإدراك ليس مرآة مثالية للواقع. 


ما متلازمة الثلج البصري؟


 تتميز هذه الحالة بالإحساس المستمر بنقاط تومض، مثل التموجات على شاشة التلفاز، عبر كامل المجال البصري. وغالبًا ما يبلّغ الأشخاص المصابون بأن هذه النقاط لا تختفي أبدًا، حتى في الظلام.


ما زال سبب هذه المتلازمة غير واضح تمامًا، لكن الأدلة الحديثة تشير إلى وجود فرط استثارة في القشرة البصرية، منطقة من الدماغ تعمل على تفسير ما نراه.


أساسًا ، قد تكون الخلايا العصبية المسؤولة عن معالجة المعلومات البصرية أكثر استثارة من اللازم، ما يسبب زيادة إدراك الضوضاء.


يعاني العديد من المصابين بمتلازمة الثلج البصري أيضًا من الشقيقة أو حساسية للضوء أو صورًا متتالية أو آثار بصرية تتبع الحركة وتستمر بعد انتهائها. قد تجعل هذه الأعراض التجارب البصرية اليومية مربكة ومجهدة جدًا.


رغم زيادة الوعي، ما زال تشخيص الحالة غير كافٍ وفهمها محدود.


اختبار كيف يشكل «الثلج البصري» الإدراك


للتحقق مما إذا كان هذا النشاط المفرط في النظام البصري يغير آلية تفسير الأشخاص للمدخلات البصرية الغامضة، دعا فريق البحث أكثر من 250 متطوعًا للمشاركة في تجربة عبر الإنترنت.


بدايةً، ملأ المشاركون استبيانًا قصيرًا لتحديد ما إذا كانوا يعانون أعراض متلازمة الثلج البصري. بعد ذلك، عُرض عليهم 320 صورة لأشياء يومية، من جذوع الأشجار إلى أكواب القهوة، وطُلب منهم تقييم مدى سهولة رؤيتهم لوجه في كل صورة، على مقياس متدرّج من 0 إلى 100.


في النتيجة النهائية، توافقت 132 شخصية مع معايير متلازمة الثلج البصري، في حين شكّل 104 منهم مجموعة المراقبة المتطابقة مع العمر. وراقب فريقنا أيضًا ما إذا كان المشاركون يعانون الشقيقة، ما سمح لنا بمقارنة أربعة مجموعات فرعية مختلفة.


الدماغ «مفرط الرؤية» الذي يرى أكثر من اللازم


 كانت النتائج مدهشة. فالأشخاص الذين يعانون الثلج البصري أعطوا باستمرار «درجات أعلى للوجوه» لكل صورة على حدة مقارنةً بمن لا يعانون هذه الحالة. ما يشير إلى أنهم كانوا أكثر عرضة لرؤية وجوه في الأنسجة والأشياء العشوائية.


سجّل الأشخاص الذين يعانون ظاهرة الثلوج البصرية والصداع النصفي أعلى معدلات بين جميع المشاركين، وكان هذا النمط ملحوظًا للغاية.


عمومًا، اتفقت المجموعات على أن الصور التي تبدو أقرب للوجوه هي الأكثر تشابهًا بها، إلا أن مجموعة متلازمة الثلج البصري كانت تُبلغ عن رؤية وجوه وهمية بوضوح. 


بمعنى آخر، تثير نفس الأجسام وهمًا أقوى في الإدراك. تتوافق النتائج مع النظريات السابقة التي تقول أن الدماغ المسؤول عن الظاهرة حسّاس بإفراط. عادةً، يولّد نظامنا البصري «تخمينات» سريعة ومنخفضة المستوى عما نراه، يتبعها فحوصات أبطأ لتأكيد تلك التخمينات. وعندما تتعطل هذا الدورة الراجعة بسبب النشاط العصبي المفرط، فإن الإنذار الكاذب المبكر، مثل الخلط بين شيء ووجه، قد يُضخَّم بدلًا من تصحيحه. 


لماذا يزيد الصداع النصفي من شدة الحالة؟


هناك ارتباط بين الصداع النصفي وظاهرة الثلج البصري، إذ يترافق كل منهما بحدوث ارتفاع غير طبيعي في نشاط القشرة الدماغية. ففي حالة الصداع النصفي، تصبح خلايا العصب البصرية حساسة بإفراط للوميض والضوء والتباين. تشير بياناتنا إلى أنه عند حدوث الصداع النصفي بالتزامن مع الثلج البصري، تزداد حساسية الدماغ للوجوه الوهمية أكثر، وهذا ما قد يعكس مسارًا عصبيًا مشتركًا يربط بين الحالتين.


قد تتيح الدراسات المستقبلية استغلال هذه العلاقة لتطوير أدوات تشخيصية جديدة. اختبارات تأثير الوجوه غير الحقيقية (Face pareidolia) سريعة وسهلة، ويمكن تكييفها لتناسب الأطفال أو المرضى الذين لا يستطيعون وصف ما يرونه بسهولة.


تفتح الدراسات آفاقًا جديدة لفهم الإدراك


لا تُعد متلازمة «الوجوه غير الحقيقية» اضطرابًا بحد ذاتها، بل تأثير جانبي لنظام إدراك يعطي الأولوية للمعلومات الاجتماعية. فالتطور جعله يميل إلى اكتشاف الوجوه أولًا ثم طرح الأسئلة لاحقًا.


بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعانون الثلوج البصرية، قد يكون هذا النظام مفرط التحفيز، إذ يربط العقل بين النقاط في الضوضاء البصرية، ويفسر المدخلات المشوشة بأنها أنماط ذات معنى.


يدعم هذا الاكتشاف فكرة أن ظاهرة الثلوج البصرية ليست مجرد مشكلة في الرؤية، بل اضطراب أشمل وأوسع في طريقة تفسير الدماغ للمعلومات البصرية.


أهمية الأمر


غالبًا ما تُهمل متلازمة الثلوج البصرية أو تُشخّص بشكل خاطئ، ما يترك المرضى في حالة من الإحباط، لذا فإن ربط الحالة بوهم قابل للقياس، مثل الوجوه غير الحقيقية، يمنح الأطباء علامة ملموسة على النشاط الدماغي غير الطبيعي وراء الأعراض، إضافةً إلى أنه يعزز فهم التجربة الإنسانية، فالأشخاص الذين يعانون الثلوج البصرية لا يتخيلون تصوراتهم، بل أن أدمغتهم تعالج العالم بشكل مختلف حقًا. إلى جانب التشخيص، تسهم هذه الأبحاث في مناقشة أوسع في علم الأعصاب حول كيفية توازن الدماغ بين الحساسية والدقة، فالقليل جدًا من النشاط قد يؤدي إلى فقدان الإشارة، والكثير منه يجعلنا نرى وجوهًا في الثلوج.

 


المصادر:


الكاتب

رغد شاهين

رغد شاهين
مراجعة

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين
تدقيق

لين الشيخ عبيد

لين الشيخ عبيد



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة