محاكاة مرحلة ما بعد الانفجار العظيم: الكون كان مثل حساء لزج ساخن!
بعد الانفجار العظيم مباشرة، كان الكون حساء من البلازما بالغ السخونة والكثافة، بلغت حرارته نحو تريليون درجة مئوية. في تجربة تُعد الأولى من نوعها، توصل الباحثون إلى أول دليل مباشر على أن هذه المادة البدائية الغريبة لم تكن ساكنة، بل كانت تتحرك وتتموج وتدور بالفعل كما يفعل الحساء.
بصيغة أكثر علمية، يُطلق على هذا الحساء اللزج اسم بلازما الكوارك–غلوون، (QGP) اختصارًا، وهو أول سائل وُجد في تاريخ الكون والأشد حرارة. وتُشير التوقعات النظرية إلى أنه كان أسخن من سطح الشمس بنحو مليار مرة، ولم يبق سوى لعدة أجزاء من المليون من الثانية من عُمر الكون، قبل أن يتمدد الكون ويبرد، لتتجمع مكوناته تدريجيًا لتشكل الذرات.
وفقًا لما ورد في دراسة حديثة، نجح فريق من الفيزيائيين من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وسيرن في إعادة إنشاء تصادمات بين أيونات ثقيلة، مماثلة لتلك التي أدت إلى تكون بلازما الكوارك–غلوون في بدايات الكون، وذلك بهدف دراسة خصائصها الفيزيائية. ومن بين الأسئلة التي سعوا للإجابة عنها: عندما يتحرك كوارك داخل هذه البلازما، هل يتفاعل معها ويرتد مُحدثًا تموجات كما لو كان داخل سائل لزج متماسك؟ أم أنه يتبعثر عشوائيًا كما لو كان جزءًا من تجمع جسيمات منفصلة؟
للإجابة عن ذلك، حلل الباحثون بيانات تصادمات بين جسيمات الرصاص، جرى تسريعها إلى سرعات تقارب سرعة الضوء داخل مصادم الهادرونات الكبير التابع لسيرن. تُنتج هذه التصادمات لطخات من الجسيمات عالية الطاقة، مثل الكواركات، إضافةً إلى قطرة متناهية الصغر من بلازما الكوارك–غلوون، وهي المادة نفسها التي ملأت الكون في مراحله الأولى.
باستخدام إستراتيجية حديثة مبتكرة أتاحت رؤية أوضح بكثير لتصادمات الأيونات الثقيلة مقارنةً بالتجارب السابقة، ومكنت الفيزيائيين من تتبع مسارات الكواركات في أثناء حركتها داخل بلازما الكوارك–غلوون، ونجحوا في رسم خريطة لتوزيع طاقة هذه البلازما بعد أعقاب تلك التصادمات.
قال الفيزيائي ين جي لي من معهد ماساتشوستس: «أصبح بمقدورنا الآن رؤية البلازما شديدة الكثافة إلى حد يمكنها من إبطاء حركة الكوارك، كما لو أنها تُحدث اندفاعات وتموجات تشبه ما نراه في السوائل. وهذا يعني أن بلازما الكوارك–غلوون هي بالفعل حساء بدائي نشأ مع بدايات الكون».
يشرح الفيزيائي كريشنا راجاغوبال من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، صاحب النموذج الذي تنبأ بالخواص السائلة لبلازما الكوارك–غلوون: «عندما يتحرك قارب في بحيرة، يتكون خلفه ذيل مائي يتحرك في الاتجاه نفسه. فالقارب ينقل جزءًا من زخمه إلى منطقة معينة من الماء، فتبدأ هذه المياه بـاتباع اتجاه حركته. بالمثل، ينقل الكوارك زخمه إلى البلازما المحيطة به في أثناء مروره خلالها».
لكن، بخلاف الأثر المائي الواضح الذي يمكن رؤيته خلف القارب المتحرك في المياه، لم يتمكن الباحثين رصد ذيل واضح ومباشر داخل قطرات بلازما الكوارك–غلوون، بل اضطروا إلى استنتاج وجوده غير المنتظم بتحليل معقد للبيانات المتاحة.
تطلب ذلك تمحيص عشرات الآلاف من الجسيمات التي تتفاعل بعنف داخل بلازما تبلغ حرارتها تريليون درجة، ولا تستمر داخل مصادم الهادرونات الكبير سوى جزء من ألف تريليون من الثانية. كل هذا الجهد كان بهدف رصد عدد قليل نسبيًا من الجسيمات التي أزاحها الذيل الناتج من مرور الكوارك عبر سائل البلازما.
هذا ليس بالأمر السهل. يوضح الفيزيائي كريشنا راجاغوبال أن الكواركات، عندما تتولد في تصادمات مصادم الهادرونات الكبير، لا تظهر منفردة على الإطلاق. فعادةً ما تتكون إلى جانب مضادات الكواركات، وهي جسيمات نظيرة لها في الكتلة والخواص، لكنها تحمل شحنة معاكسة.
ينطلق الكوارك ومضاده في اتجاهين متعاكسين بالسرعة نفسها، ويُخلف كل منهما أثرًا خاصًا به داخل البلازما. نتيجة لذلك، تتداخل هذه الآثار وتتشابك، ما يجعل عملية التمييز بينهما ورصدهما بدقة تحديًا علميًا كبيرًا.
لذلك، وبدلًا من البحث عن أزواج كوارك–مضاد كوارك كما جرت العادة في التجارب السابقة، اتجه الفيزيائيون إلى تتبع نوع مختلف من الجسيمات. في بعض الحالات النادرة، تؤدي تصادمات مصادم الهادرونات الكبير إلى إنتاج كوارك مقترنًا ببوزون Z، وهو جسيم أولي متعادل لا يخلف أي ذيل في أثناء تحركه لأنه لا يتفاعل مع بلازما الكوارك–غلوون.
غير أن مثل هذه الأحداث قليلة للغاية؛ فمن أصل نحو 13 مليار تصادم جرى تحليلها في هذه الدراسة، لم ينتج سوى قرابة 2000 تصادم بوزون Z. ومع ذلك، وبفضل عدم تفاعل هذا البوزون مع البلازما، تمكن الباحثون أخيرًا من عزل الأثر الناتج من كوارك واحد مندفع بسرعته العالية وتحليله بدقة. وكما تنبأ نموذج كريشنا راجاغوبال، أظهرت النتائج أن بلازما الكوارك–غلوون تتصرف مثل سائل حقيقي، إذ تستجيب لحركة الكوارك بالاندفاع والتموج والدوران في أثره، تمامًا كما يحدث في السوائل المألوفة.
أوضح الفيزيائي كريشنا راجاغوبال أن هذه النتائج تمثل «دليلًا حاسمًا لا شك فيه» على أن بلازما الكوارك–غلوون تتصرف مثل سائل. ومع ذلك، فإن الجدل العلمي القائم حول ما إذا كانت هذه البلازما تتدفق وتتموج فعلًا مثل سوائل تقليدية قد لا يُحسم نهائيًا بعد. فمن المؤكد أن باحثين آخرين سيخضعون هذه النتائج للتدقيق والمراجعة النهائية، في إطار السجال العلمي المعتاد الذي يسبق الوصول إلى توافق واسع حول مثل هذه الظواهر البدئية في فيزياء الكون المبكر.
مع ذلك، تفتح هذه التقنية الجديدة إطارًا واعدًا لدراسة عمليات مماثلة في أنواع أخرى من التصادمات عالية الطاقة، ما قد يساهم في إلقاء مزيد من الضوء على واحدة من أكثر المواد غموضًا في تاريخ الكون.
يقول الفيزيائي كريشنا راجاغوبال: «في كثير من فروع العلوم، تتمثل إحدى الطرق الأساسية لفهم خصائص أي مادة، في إحداث اضطراب بها بطريقة ما، ثم قياس كيفية انتشار هذا الاضطراب وتبدده مع الزمن».
هنا تكمن إحدى متع الفيزياء، إذا لم تكن متيقنًا تمامًا من كيفية عمل شيء ما، فما عليك سوى تحطيمه بسرعة تقارب سرعة الضوء، ثم مراقبة ما يحدث بعد ذلك.
المصادر:
الكاتب
محمد اسماعيل
