مرصد عملاق تحت الأرض يطلق أولى نتائجه الكبرى حول الجسيم الشبح!
أعلنت وكالة أسوشيتد برس من نيويورك عن أولى النتائج الرئيسية التي كشف عنها مرصد ضخم تحت الأرض، أُنشئ بهدف دراسة جسيمات الشبح الغامضة في الكون.
بدأ مرصد جيانغمن تحت الأرضي لرصد النيوترينوات (جونو) في الصين بجمع البيانات في شهر أغسطس الماضي، في إطار جهود العلماء لفهم طبيعة النيوترينوات ودورها في الكون.
النيوترينوات جسيمات متناهية الصغر نشأت في أعقاب الانفجار العظيم، وتعبر أجسامنا بأعداد هائلة تُقدَّر بتريليونات الجسيمات في كل ثانية، من دون أن تُحدث أي تأثير يُذكر.
رغم وفرتها الهائلة، فإن كتلتها الضئيلة للغاية وتفاعلها الضعيف مع المادة يجعلان رصدها ودراستها تحديًا كبيرًا أمام العلماء.
كشف فريق مرصد جيانغمن تحت الأرض لرصد النيوترينوات عن أولى نتائجه العلمية بعد شهرين من بدء جمع البيانات، التي تضمنت بعض أدق القياسات التي أُجريت حتى الآن لظاهرة تذبذب النيوترينوات. وتتمثل هذه الظاهرة في قدرة النيوترينوات على التحول بين ثلاثة أنواع مختلفة في أثناء انتقالها عبر الفضاء.
قالت الفيزيائية كيت شولبيرج من جامعة ديوك: «إن هذه النتائج تجعلني أتطلع بحماس إلى أكثر الاكتشافات إثارة التي قد يحملها المستقبل».
يقع الكاشف الكروي لمرصد جيانغمن على عمق 700 متر تحت سطح الأرض، وهو موقع يساعد على حمايته من الإشعاعات والجسيمات القادمة من الفضاء، ما يتيح للعلماء إجراء قياسات دقيقة.
يرصد المرصد النيوترينوات المضادة المنبعثة من التفاعلات النووية الجارية داخل محطتين مجاورتين لتوليد الطاقة النووية. تنتج هذه الجسيمات بكميات هائلة في عمليات الانشطار النووي، ثم تنتقل عبر المادة بسهولة شديدة، ما يجعل اكتشافها ودراسة خصائصها تحديًا علميًا كبيرًا. بتحليل هذه الجسيمات، يأمل الباحثون في فهم الكيفية التي تتغير بها النيوترينوات بين أنواعها المختلفة، ما قد يساعد في الإجابة عن بعض الأسئلة الأساسية المتعلقة ببنية الكون وتطوره.
النيوترينوات المضادة جسيمات لا تقل غموضًا عن النيوترينوات نفسها، إذ تمثل نظائرها المضادة. ويستفيد العلماء من دراستها لفهم خصائص النيوترينوات وسلوكها بصورة أفضل، والكشف عن الكيفية التي تتفاعل بها هذه الجسيمات الأساسية.
عندما تصطدم النيوترينوات المضادة ببعض الجسيمات الموجودة داخل الكاشف، ينشأ وميض ضوئي خافت يمكن الأجهزة الحساسة في الكاشف رصده وتحليله، ما يتيح للباحثين استنتاج خصائص هذه الجسيمات ودراسة سلوكها.
تشير الأدلة الحالية إلى أن اثنين من الأنواع الثلاثة يمتلكان كتلًا متقاربة، في حين يختلف النوع الثالث عنهما. ومع ذلك، لا يزال العلماء غير متيقنين تمامًا مما إذا كان النوعان المتقاربان هما الأثقل كتلةً والنوع الثالث هو الأخف، أم أن العكس هو الصحيح. من شأن الإجابة عن هذا السؤال أن تسهم في تعميق فهمنا للطبيعة الأساسية للمادة وتاريخ نشأة الكون.
لم تتمكن النتائج الأولية حتى الآن من حسم الإجابة، لكنها أظهرت القدرات الكبيرة التي يتمتع بها مرصد جيانغمن ودقته العالية في رصد النيوترينوات.
قال ليانغجيان ون، الباحث المشارك في الدراسة: «تؤكد النتائج أن المرصد سيكون قادرًا على رصد التذبذبات الدقيقة في سلوك النيوترينوات، وهي الاختلافات الطفيفة التي تميز الأنواع الثلاثة المختلفة للنيوترينوات وترتبط بكتلها. من المتوقع أن تساعد دراسة هذه الأنماط الدقيقة العلماء على تحديد الترتيب الكتلي للنيوترينوات وفهم خصائصها على نحو أفضل».
من المنتظر أن ينضم أيضًا إلى هذا المجهود العلمي في العقد المقبل تجربتان كبيرتان أخريان لرصد النيوترينوات، هما مرصد هايبر-كاميوكاندي في اليابان ومشروع تجربة النيوترينوات العميقة تحت الأرض (DUNE) في الولايات المتحدة.
وسيبدأ كلا المشروعين جمع البيانات باستخدام تقنيات وأساليب مختلفة عن تلك المستخدمة في مرصد جيانغمن الصيني، ما سيسمح للعلماء بمقارنة النتائج والتحقق منها بصورة مستقلة.
تُعد هذه المقارنات المتبادلة بين التجارب المختلفة عنصرًا أساسيًا في البحث العلمي، إذ تساعد على زيادة موثوقية النتائج وتعزيز فهم الخصائص الأساسية للنيوترينوات، يشمل ذلك ترتيب كتلها وآلية تحولها بين أنواعها المختلفة.
المصادر:
الكاتب
محمد اسماعيل
