مسح فلكي ضخم يكشف مفاجأة عن أصل النجوم الهاربة!
لاحظ عالم الفلك الهولندي أدريان بلاو في أوائل ستينيات القرن الماضي وجود نجوم تتحرك بسرعات غير مألوفة عبر مجرة درب التبانة. واتضح لاحقًا أن هذه النجوم أجسام غير مرتبطة بجاذبية المجرة، إذ قُذفت منها ثم واصلت مساراتها لتعود وتعبر قرص المجرة ذهابًا وإيابًا.
اقترح بلاو أن هذه النجوم نشأت في أنظمة نجمية ثنائية، وهي أنظمة يتكون كل منها من نجمين يدوران حول مركز كتلة مشترك، ثم قُذفت عندما انهار أحد النجمين وانفجرت طبقاته الخارجية في مستعر أعظم.
بحلول عام 2005، اكتشف علماء الفلك نجومًا تتحرك بسرعات أكبر بكثير، فأُطلق عليها اسم النجوم فائقة السرعة .وفي يناير الماضي، أعلن باحثون من عدد من المؤسسات العلمية في إسبانيا الانتهاء من أكبر دراسة رصدية حتى الآن للنجوم الهاربة العملاقة، بالاعتماد على بيانات مرصد جايا التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، إلى جانب أطياف عالية الدقة من قاعدة بيانات IACOB. وشملت الدراسة تحليل 214 نجمًا من النوع الطيفي O، وهي أكثر نجوم المجرة كتلة ولمعانًا.
كشفت النتائج عن رؤى جديدة حول كيفية قذف هذه النجوم في الفضاء وأصولها، إذ أظهرت أن معظم النجوم الهاربة لم تبدأ حياتها ضمن أنظمة نجمية ثنائية، خلافًا لما كان يُعتقد سابقًا.
تحظى هذه النجوم باهتمام كبير لدى علماء الفلك بسبب تأثيرها في تطور المجرات. فعندما تغادر النجوم بيئاتها الأصلية، تؤثر في الغاز والغبار المنتشرين في الوسط بين النجمي، ثم تنثر العناصر الثقيلة بعد انفجارها في صورة مستعرات عظمى، ما يؤثر في تكوين الأجيال اللاحقة من النجوم والكواكب.
لهذا، فإن فهم أصل النجوم الهاربة العملاقة سيساعد على تطوير نماذج أدق لتطور النجوم، وسيحسن فهم دور الأنظمة الثنائية والعناقيد النجمية والمستعرات العظمى في تطور المجرات.
منذ اكتشاف هذه النجوم، حاول علماء الفلك تفسير سر اكتسابها تلك السرعات الهائلة، وطرحوا احتمالين رئيسيين: إما أنها قُذفت نتيجة انفجار مستعر أعظم داخل نظام نجمي ثنائي، وإما أنها اكتسبت سرعتها بسبب تفاعلات جاذبية عنيفة في أثناء مرورها بالقرب من عناقيد نجمية كثيفة.
لكن ظل من غير المعروف أي الآليتين أكثر شيوعًا في إنتاج النجوم الهاربة داخل مجرة درب التبانة.
للإجابة عن هذا السؤال، حلل الباحثون بيانات مشروعي جايا وIACOB التي جُمعت بين عامي 2013 و2025. وخلال هذه الفترة، قاس مرصد جايا الحركة الذاتية واللمعان ودرجة الحرارة والتركيب الكيميائي لأكثر من ملياري نجم، في إطار علم قياس المواقع الفلكية، بهدف إنتاج أدق خريطة ثلاثية الأبعاد لمجرة درب التبانة حتى الآن، والإجابة عن العديد من الأسئلة المتعلقة بأصلها وبنيتها وتطورها.
في المقابل، يُعد مشروع IACOB برنامجًا رصديًا طويل الأمد يهدف إلى دراسة الخصائص الفيزيائية وتطور النجوم الضخمة من النوعين O وB في مجرة درب التبانة.
بدمج بيانات المشروعين، تمكن الباحثون من قياس سرعات الدوران وتحديد أماكن نشأة أكبر عينة معروفة حتى الآن من النجوم الهاربة من النوع O. ويُطلق هذا الوصف على النجوم التي قد تتجاوز سرعتها 700 كيلومتر في الثانية، وهي سرعة تكفي للإفلات من جاذبية مجرة درب التبانة.
أظهرت النتائج أن معظم النجوم الهاربة تدور ببطء، في حين ترتبط النجوم الأسرع دورانًا غالبًا بانفجارات المستعرات العظمى داخل الأنظمة الثنائية.
كشفت الدراسة أن النجوم الأعلى سرعة تكون في الغالب نجومًا منفردة، ما يشير إلى أنها قُذفت من عناقيد نجمية فتية نتيجة تفاعلات جاذبية عنيفة.
حدد الفريق أيضًا 12 نظامًا نجميًا ثنائيًا هاربًا، من بينها ثلاثة أنظمة ثنائية تصدر أشعة سينية وتحتوي على نجوم نيوترونية أو ثقوب سوداء، إضافةً إلى ثلاثة أنظمة أخرى يُرجح أنها تستضيف ثقوبًا سوداء.
قال مار كاريتيرو كاستريلو، الباحث في المرصد الأوروبي الجنوبي، أحد المشاركين في الدراسة: «تمثل هذه الدراسة أكثر الدراسات الرصدية شمولًا من نوعها في مجرة درب التبانة. وبالجمع بين معلومات سرعة الدوران ووجود الأنظمة الثنائية، نوفر للمجتمع العلمي قيودًا غير مسبوقة لفهم كيفية تشكل هذه النجوم الهاربة».
في ختام الدراسة، وجد الباحثون أن أيًا من النجوم تقريبًا لم يجمع بين السرعة العالية والدوران السريع، ما يُعد أقوى دليل حتى الآن على أن أكثر من آلية واحدة مسؤولة عن قذف النجوم من أنظمتها الأصلية.
ومع الإصدارات المستقبلية لبيانات جايا واستمرار الدراسات الطيفية، يتوقع العلماء أن يصبح بالإمكان تتبع هذه النجوم إلى أماكن نشأتها بدقة أكبر، ما سيساعد على تحديد آلية قذف كل نجم، وربما يؤدي إلى اكتشاف أنظمة ثنائية أغرب، يشمل ذلك أنظمة لا تزال تحتفظ بكواكب مرتبطة بها جاذبيًا.
قد تسهم دراسة هذه الأنظمة أيضًا في فهم دور جديد للنجوم الهاربة في تطور المجرات، يتمثل في نشر العناصر الأساسية اللازمة لنشوء الحياة في أنحاء مجرة درب التبانة.