هليكوبتر ناسا تكسر حاجز الصوت!
عندما تقترب سرعة شفرات الدوار في الطائرات المروحية من سرعة الصوت، قد تصبح الأمور حرجة بعض الشيء، إذ عندما يفوق رقم ماخ (Mach) قيمة 0.8 تقريبًا، قد تسبب موجات الصدمة وقوى المقاومة والتدفق غير المستقر والاضطرابات الجوية، توترات شديدة لم تكن لتظهر في سرعات منخفضة.
هذه مشكلة يمكن حلها هنا على كوكب الأرض بواسطة تجارب مكثفة وهندسة ذكية. أما تصميم مركبة تعمل في قوانين الديناميكا الهوائية الغريبة التي تحكم الغلاف الجوي لكوكب المريخ، فتلك مشكلة مغايرة تمامًا.
صُممت مروحية إنجينويتي التابعة لمسبار برسيفيرانس لكي تعمل في نطاق السرعات تحت الصوتية، برقم ماخ يعادل 0.7 تقريبًا، وهو خيار اتُخذ لتفادي أي مفاجآت متعلقة بالديناميكا الهوائية التي من شأنها أن تنهي المهمة.
أما طائرات المروحية من الجيل القادم، التي تُطور حاليًا ضمن مشروع سكايفول، فستتخطى هذه الحدود. فقد دفع مهندسو وكالة الفضاء الأمريكية بالشفرات الدوارة لتصل إلى رقم ماخ يساوي 1.08 داخل محاكاة للغلاف الجوي لكوكب المريخ، وهي سرعة تُعزز على نحو كبير من قدرات طائرات المروحية القادمة.
قالت خبيرة الديناميكا الهوائية، شانا ويثرو-مايسر: «يُشكل الاختبار الناجح لهذه الشفرات الدوارة خطوةً رئيسية نحو إثبات قابلية الطيران في بيئات أقسى، وهو أمر بالغ الأهمية لمركبات الجيل الق
ادم».
«ظننا أننا سنكون محظوظين إذا ما وصلنا إلى رقم ماخ يعادل 1.05، أما الآن فقد بلغنا قيمة 1.08 في التجارب الأخيرة. لكن ما زلنا نعمل على تحليل البيانات بدقة، ربما لا تزال هناك إمكانيات إضافية لم تُستغل بعد. ستكون طائرات الجيل القادم مذهلةً حقًا».
رغم وجود قواسم مشتركة كثيرة بين الأرض والمريخ، فإن أقل الفروق في خصائص الأغلفة الجوية للكوكبين قد تغير طريقة عمل المركبات الجوية جذريًا. والواقع أن هذه الفروق ليست طفيفة على الإطلاق، فالغلاف الجوي للمريخ أخف، إذ لا تتجاوز كثافته 1 – 2% فقط من كثافة الغلاف الجوي الأرضي.
شكلت طائرة المروحية إنجينويتي، التي وصلت إلى المريخ رفقة مسبار بيرسيفرانس في شهر يناير من عام 2021، فرصةً جريئةً لاختبار إمكانية الطيران اعتمادًا على الشفرات الدوارة في الفضاء الجوي للكوكب الأحمر، فضلًا عن جمع البيانات اللازمة التي من شأنها أن تساعد على تصميم طائرات المروحية المستقبلية. وقد كان من المُخطط لها في الأصل أن تُحلق خمس مرات فقط، لكنها تجاوزت هذا الرقم وحلقت 72 مرة قبل أن تتحطم عام 2024، ولم يكن ذلك بسبب خلل ما في أجهزة الطيران الخاصة بها، بل لعدم قدرتها على تقدير بعدها عن السطح في أثناء الهبوط.
كان التصميم المحافظ نسبيًا للمهمة أمرًا ضروريًا، إذ منح المهندسين فهمًا تفصيليًا للديناميكا الهوائية لكوكب المريخ، ساعد على تصميم الطائرات الجديدة. قال المهندس ياكو كاراس من مختبر الدفع النفاث التابع لناسا: «لو كان تشاك ييغر بيننا اليوم، لأخبركم كيف تحتدم الأمور عند الاقتراب من قيمة 1 لرقم ماخ. لقد أخذنا هذا في الحسبان، إذ خططنا أن تظل أطراف الشفرات الدوارة لإنجينويتي في أثناء الطيران مستقرة عند قيمة 0.7 لرقم ماخ حال عدم وجود الرياح، حتى نضمن ألا تتجاوز أطراف الشفرات الدوارة سرعة الصوت إذا ما واجهت الطائرة رياحًا عكسية».
«لكننا نتطلع إلى أداء أفضل لطائرات الجيل القادم التي ستُرسل إلى المريخ، لذا نحن في حاجة إلى التحقق من أن الدوارات قادرة على الطيران بسرعة أكبر على نحو آمن».
نظرًا إلى أن الغلاف الجوي للمريخ أخف بكثير من الغلاف الجوي الأرضي، فإن حاجز الصوت المعروف بقيمة 1 لرقم ماخ، يقع عند سرعة أقل بكثير من السرعة على الأرض، إذ يساوي على المريخ 869 كيلومترًا في الساعة مقارنة بـ 1225 كيلومترًا في الساعة عند مستوى سطح البحر على الأرض.
يمتلك مختبر الدفع النفاث غرفةً خاصةً لاختبار تصميمات الدوارات، تُخفض فيها مستويات ضغط الهواء لمحاكاة الظروف الجوية للمريخ. وهي غرفة مُدعمة أيضا، فحتى إذا انكسرت إحدى الشفرات، فلن تطير بقوة مندفعة عبر المختبر لتخترق جهازًا ما.
اختبر الفريق في هذه الغرفة تصميمين للدوارات، الأول بثلاث شفرات والثاني بشفرتين، بينما كانوا يراقبون سير العملية من غرفة تحكم قريبة. ووجدوا أن سرعة الدوران في التصميم ثلاثي الشفرات وصلت إلى 3750 دورة في الدقيقة، ما يعني أن أطراف الشفرات بلغت سرعة تعادل قيمة 0.98 لرقم ماخ. أما الدوار ثنائي الشفرات الذي يتضمن شفرات أطول، فلم يحتج إلا لبلوغ معدل 3570 دورة في الدقيقة تقريبًا للوصول إلى رقم ماخ السابق (0.98). تجدر الإشارة إلى أن سرعة الشفرات الدوارة لطائرة إنجينويتي لم تتجاوز 2700 دورة في الدقيقة.
شُغلت بعد هذا الاختبار الأول مروحة داخل الغرفة من أجل تسليط رياح عكسية على الدوارات، وقد وصلت عندها سرعة أطراف الشفرات إلى قيمة قصوى بلغت قيمة 1.08 لرقم ماخ. يؤدي هذا إلى زيادة قوة الرفع على نحو كبير بنسبة تصل إلى 30% تقريبًا، ما سيتيح للطائرة المروحية الجديدة رفع حمولات أثقل مقارنةً بإنجينويتي، ما يعني إمكانية تزويدها بمزيد من الأجهزة العلمية.
إذا سارت الأمور وفق الخطط، ستنطلق مهمة سكايفول أواخر عام 2028، وفقًا لناسا، حاملةً على متنها ثلاث طائرات مروحية من شأنها أن تساعد على استكشاف مواقع هبوط مأهولة للبشر، ورسم خرائط للجليد المائي القابع تحت سطح المريخ.