هل يخبئ غبار القمر آثار حضارة فضائية؟
يتخذ بحثنا عن البصمات التكنولوجية -أي العلامات الواضحة على وجود حضارات متقدمة خارج كوكب الأرض- أشكالًا عديدة. يستند الكثير منها إلى معادلة دريك الشهيرة، التي تحاول تقدير عدد الحضارات التكنولوجية الموجودة في مجرة درب التبانة، لكن ثمة علامة استفهام كبيرة في نهاية هذه المعادلة، تتمثل في متغير يُفترض أن يُفسر عمر الحضارة. لا يعني هذا عمر الحضارة نفسها، بل يعني ببساطة المدة التي تُنتج فيها بصمة تكنولوجية يمكن رصدها بتقنياتنا الحالية.
تُشير ورقة بحثية جديدة، متاحة بنسخة أولية على موقع arXiv، من إعداد عالم الفيزياء الفلكية بجامعة أكسفورد، برايان سي لاكي، إلى أنه نظرًا إلى ضآلة احتمالية تزامن وجودنا مع أي حضارة من هذا القبيل، فإننا أكثر عرضة للعثور على آثار حضارة ميتة. المثير للدهشة أن أفضل مكان للعثور عليها قد يكون في نظامنا الشمسي.
يستند جزء أساسي من هذه الحجة إلى تاريخ كوكب الأرض نفسه. ركز مشروع البحث عن ذكاء خارج الأرض (SETI) حتى الآن على استقبال إشارات سلبية من خارج المجموعة الشمسية، عادةً على شكل موجات راديوية.
لكن حتى على الأرض، لم تدم نافذتنا لإرسال إشارات راديوية إلى الفضاء الشاسع سوى مئة عام، ونحن نعمل جاهدين على التخلص من معظم الإشارات الراديوية واسعة النطاق في محاولة لتحسين بنية الاتصالات لدينا. حتى حضارتنا لا تُكلف نفسها عناء الحفاظ على الحد الأدنى من البث المتعمد الذي كنا نُنتجه قبل خمسين عامًا. يُقال إنه بدلًا من ذلك أن من الأفضل البحث عن بصمات تقنية سلبية، مثل آثار قديمة لا تتطلب أي صيانة تقريبًا ويمكن أن تدوم لمليارات السنين.
سيؤدي ذلك إلى إلغاء الحاجة إلى صيانة مستمرة لأجهزة الإرسال الراديوية أو الليزر عالي الطاقة، وسيزيد من احتمالية عثورنا على أنواع من الحضارات التي يمكنها، ولو في وقت ما، دعم ذلك. إذن، كيف ستبدو هذه البصمة التقنية السلبية عمليًا؟
يصنف الدكتور لاكي هذه الأنظمة إلى ثلاث فئات: المشتتات، والحاجبات، والومضات. تمكن رؤية الحاجبات من خلال نمط التعتيم غير الطبيعي الذي يظهر بشكل مشابه لكوكب خارجي عابر، ولكنه ليس نفسه. أما الومضات، فتتميز بمرايا عملاقة قادرة على تركيز أو عكس ضوء النجوم على مدى آلاف السنين الضوئية، فتظهر على شكل توهجات عدسية غير مألوفة بالقرب من نجمها المضيف. تشتت المشتتات الضوء بشكل شبه متساوي الخواص، ما يُنتج إشارة خافتة قد تعكس لونًا أو استقطابًا غير عادي.
جميع هذه الأنظمة سلبية تمامًا، ولا تتطلب أي تدخل من مُنشئيها، مع ذلك فإن بناء عدد كافٍ منها سيستلزم شكلًا من أشكال الصيانة. يُعد سرب دايسون ضمن قدرات الحضارات التي تتناولها هذه الورقة، لكن الحفاظ على ميكانيكا مدارات هذا السرب يتطلب تدخلًا فعالًا، وإن كان أقل بكثير من جهاز إرسال لاسلكي نشط. ستنجذب مكونات سرب دايسون حتمًا بفعل الجاذبية من دون هذا الدعم، لتصطدم في النهاية وتُكوّن ما يُسميه الدكتور لاكي الحبيبات التقنية.
قد يتسارع هذا التدمير بفعل تفاعل متسلسل مشابه لمتلازمة كيسلر في مدار الأرض، إذ يُنتج كل اصطدام إضافي المزيد من الحطام، ما يُؤدي إلى المزيد من الاصطدامات. إذا تكرر هذا الأمر بما فيه الكفاية، يُمكن حتى تحويل بنية عملاقة غريبة إلى غبار دقيق.
فور أن تُصبح هذه الحبيبات التقنية صغيرة بما يكفي، قد تنطلق خارج نظامها الشمسي المُضيف بفعل الرياح الشمسية التي تتغلب على جاذبية النجم الذي يُعيقها. تُصبح هذه الجزيئات من الغبار حرة في التجول في المجرة، مُفلتة من أي احتجاز طويل الأمد في نجمها المُضيف. هنا تبرز الفكرة الأخرى المثيرة للاهتمام في ورقة الدكتور لاكي.
إن نظامنا الشمسي ليس ثابتًا مُقارنةً بالمجرة. يمر القمر باستمرار عبر مواد بين نجمية في أثناء دورانه حول مجرتنا درب التبانة، قد يكون بعضها مكونًا من آثار تكنولوجية متفحمة. حتى إن دخلت هذه المواد إلى مجرتنا قبل مليارات السنين، فإن عوالم خامدة كالقمر قد تحتفظ بها منذ ذلك الزمن وحتى يومنا هذا. بمعنى آخر، يمكن للباحثين فحص غبار القمر بحثًا عن آثار بنى عملاقة منقرضة.
تشير الدراسة في النهاية إلى أننا لسنا بحاجة إلى تلسكوبات فضائية أكبر وأكثر تطورًا لمواصلة بحثنا عن الآثار التكنولوجية، بل قد نتمكن من العثور عليها بفحص التربة القمرية على أقرب جار لنا. إذا عثرنا على أي منها، فسيعطي ذلك معنى جديدًا لعبارة من التراب وإلى التراب، إذ سيوجد شكل مختلف تمامًا من الذكاء يتعامل مع الغبار القادم من حضارة مختلفة تمامًا.
المصادر:
الكاتب
محمد الشرقاوي
