هل يمكن أن يكون الزمن أقل من الصفر؟ تجارب جديدة تشير إلى وجود الزمن السالب!
يروي هوميروس في ملحمته: خاض أوديسيوس رحلة أسطورية مليئة بالتحديات من طروادة إلى موطنه في إيثاكا، وقضى معظم وقته في تلك الرحلة على جزيرة مع الحورية كاليبسو.
يمكننا تخيل زوجته بينيلوبي وهي تسأله عن تلك الفترة فيجيبها أوديسيوس بذكاء: لقد كان وقتًا لا يُذكر بل كان أقل من لا شيء، قضيت مع كاليبسو خمس سنوات سالبة! وإلا فكيف كنت سأصل للمنزل بعد عشر سنوات فقط؟ إن لم تصدقي فاسأليها!
يبدو أن الجسيمات الكمومية تمتلك دهاء أوديسيوس نفسه، وهذا ما أثبتناه في تجربة نُشرت مؤخرًا في دورية (Physical Review Letters)، فنتائج التجربة لا تشير فقط إلى أن زمن وصول الجسيمات يوحي بقضائها وقتًا سالبًا مع جسيمات أخرى، بل إن تلك الجسيمات الأخرى تؤكد الرواية ذاتها عند قياس أثرها.
الفوتونات في مواجهة الذرات
استخدمت تجربتنا الفوتونات -جسيمات الضوء الكمومية- وتتبعت رحلتها عبر سحابة من ذرات الروبيديوم، تمتلك هذه الذرات خاصية الرنين مع الفوتونات، ما يعني أن طاقة الفوتون قد تنتقل مؤقتًا إلى الذرات في حالة تُعرف بالإثارة الذرية، ويتيح ذلك للفوتون أن يمكث داخل السحابة الذرية فترةً قبل أن يُطلق مجددًا.
لكي يكون هذا الرنين فعالًا يجب أن يمتلك الفوتون طاقة محددة بدقة تطابق الطاقة اللازمة لإثارة ذرة الروبيديوم، لكن وفقًا لمبدأ عدم اليقين لهايزنبرج: إذا كانت طاقة الفوتون محددة بدقة فإن توقيت وصوله يصبح غير مؤكد، ما يعني أن النبضة الضوئية التي يشغلها الفوتون يجب أن تكون ذات مدة زمنية طويلة، ما يعني أننا لا نستطيع معرفة لحظة دخول الفوتون للسحابة بدقة لكننا نعرف متوسط زمن دخوله.
عندما يُطلق فوتون كهذا نحو السحابة عادة فإن النتيجة الأكثر احتمالًا هي انتقال طاقته للذرات ثم إعادة انبعاثه في اتجاه عشوائي -تشتت الفوتون- وفي هذه الحالة يفشل الفوتون في الوصول إلى وجهته النهائية.
مفارقة زمن الوصول
لكن المدهش يحدث عندما يتمكن الفوتون من العبور مباشرة دون تشتت.
بناءً على متوسط وقت دخول الفوتون للسحابة، يمكن حساب الوقت المتوقع لوصوله إلى الجانب الآخر، بافتراض أنه يسير بسرعة الضوء، وما وجدناه هو أن الفوتون يصل أبكر بكثير مما هو متوقع، في الواقع يصل مبكرًا لدرجة يبدو معها وكأنه قضى وقتًا سالبًا داخل السحابة أي أنه يخرج منها -في المعدل- قبل أن يدخلها!
عُرفت هذه الظاهرة منذ عقود ورُصدت في تجربة عام 1993 لكن الفيزيائيين حينها لم يأخذوا فكرة الوقت السالب على محمل الجد، مفسرين الأمر بأن الجزء الأمامي فقط من النبضة الضوئية الطويلة هو الذي يمر بينما يتشتت الباقي، ما يعطي انطباعًا زائفًا بالوصول المبكر.
استنطاق الذرات
لم يقتنع إيفريم شتاينبرج -أحد مؤلفي ورقة عام 1993- بهذا التفسير التبسيطي، وأراد في مختبره بجامعة تورنتو معرفة ما يحدث فعليًا داخل سحابة الروبيديوم: كم من الوقت قضاه الفوتون ساكنًا داخل الذرات في حالة الإثارة؟
هنا تبرز معضلة كمومية: إن القياس في الفيزياء الكمومية يؤدي بالضرورة إلى اضطراب النظام، فإذا حاولنا قياس وجود الفوتون داخل الذرات بدقة في كل لحظة فسنمنع التفاعل بينهما تمامًا، ما يُعرف بأثر زينون الكمومي.
التجربة
كان الحل هو إجراء ما يُسمى القياس الضعيف، وهو قياس غير دقيق لكل حالة على حدة لكنه دقيق جدًا عند المعايرة، ما يضمن تقليل الاضطراب في النظام إلى أدنى مستوياته.
أطلقنا شعاع ليزر ضعيف عبر السحابة الذرية، وقسنا التغيرات الطفيفة في طور ضوء الشعاع لنعرف هل الذرات في حالة إثارة أم لا، وبحساب متوسط ملايين المحاولات حصلنا على قياس دقيق لزمن المكوث.
كانت النتيجة مذهلة: قيمة زمن المكوث التي قيست عبر الذرات كانت سالبة تمامًا، وتطابق بالضبط الوقت السالب الذي اقترحه زمن وصول الفوتونات.
هل يعني هذا أننا على أعتاب اختراع آلة زمن؟ الإجابة المختصرة هي: لا، فالتجربة تظل ضمن إطار الفيزياء القياسية وتفسيراتها.
لكنها تثبت أن زمن المكوث السالب ليس مجرد خطأ في القياس أو استنتاج عارض، بل هو ظاهرة لها أثر ملموس ومقاس مباشرة على الوسط المادي الذي يعبره الفوتون، وتذكرنا بأن عالم الكم لا يزال يحمل في طياته الكثير من الأسرار التي تتحدى منطقنا التقليدي.