بعد سنوات من العمل.. واشنطن تدرس تعليق مهمة ناسا لاستعادة عينات المريخ!

1 يناير 2026
13 مشاهدة
0 اعجاب

بعد سنوات من العمل.. واشنطن تدرس تعليق مهمة ناسا لاستعادة عينات المريخ!


 

تُعد مركبة بريسيفرنس اليوم إحدى أكثر مستكشفات الكواكب تطورًا على الإطلاق، إذ تواصل رحلتها على سطح المريخ مدعومة بفريق يضم مئات العلماء على الأرض. منذ وصولها تسعى للإجابة عن بعض أكبر الأسئلة المتعلقة بالكوكب الأحمر: كيف كان المريخ قبل مليارات السنين؟ هل كان صالحًا للحياة؟ هل احتضن يومًا شكلًا من أشكالها؟


إحدى الصخور التي زارتها مركبة بريسيفرنس، المعروفة باسم شيافا فولز، تتناثر عليها معادن غنية بالحديد قد تسهم في الإجابة عن هذه التساؤلات، وفق ما أعلن العلماء في سبتمبر/أيلول. فعلى كوكب الأرض، يشير وجود مثل هذه المعادن عادةً إلى بيئات كانت تعيش فيها ميكروبات استخدمت الحديد في التفاعلات الكيميائية الضرورية لعملياتها الأيضية. فهل ينطبق الأمر ذاته على المريخ؟


بات مستقبل هذه العينات مهددًا. فمهمة استعادة عينات المريخ، اختصارًا (MSR)، التي تهدف إلى إعادة عينات المريخ إلى الأرض، تواجه خطر الإلغاء. فقد اكتملت المرحلة الأولى من المهمة بوصول بريسيفرنس وجمعها العينات، أما المرحلة التالية، أي نقل العينات إلى الأرض، فقد أصبحت على المحك بعد اقتراح إدارة ترامب إلغاء الجزء الخاص بإعادة العينات من المهمة. حتى الآن، يظل مصير MSR مرهونًا بقرار الكونغرس الأمريكي.


يشكل هذا الوضع مصدر قلق بالغ للعلماء الذين عملوا لعقود طويلة على تحقيق هذا الهدف. تقول فيكي هاملتون، عالمة الجيولوجيا الكوكبية: «لقد عملنا لعقود طويلة لتحقيق هذا الهدف، والآن بعد أن جمعت بريسيفرنس عينات ثمينة، يواجه العلماء احتمال تركها على المريخ لتبقى هناك. من الصعب مواجهة ذلك».


حتى لو لم تُلغَ المهمة، فإن كيفية استكمال العملية لا تزال غير واضحة. ففي 2024، أعلنت ناسا تخليها عن خطتها الأولية لمهمة MSR، واصفةً إياها بالمكلفة جدًا والمتأخرة عن الجدول، وشرعت بالبحث عن حلول تجارية أقل تكلفة. رغم وجود عدة خيارات ، لم يُحسم القرار بشأن المسار المتبع.


تعد المهمة حيوية لتوفيرها إمكانات علمية هائلة. كان المريخ قبل ثلاثة إلى أربعة مليارات سنة دافئًا ورطبًا، وسطه بحار وبحيرات. لكن يبقى السؤال الجوهري: هل نشأت الحياة هناك؟ فالعثور على أي دليل محتمل سيُعد اكتشافًا تاريخيًا قد يعيد رسم فهمنا للحياة في الكون.


وصلت بريسيفرنس إلى المريخ في فبراير 2021 بعد عملية هبوط معقدة. فبعد اجتياز الغلاف الجوي، استخدمت المهمة نظام سكاي كرين، المدعوم بصواريخ صغيرة، لنزول المركبة بأمان على سطح المريخ داخل فوهة جیزيرو، التي يبلغ عرضها 45 كيلومترًا. وكانت تحتضن نهرًا في السابق، ولا تزال الدلتا الجافة التي خلفها واضحة للعيان من الفضاء. تُعد فوهة جيزيرو مكانًا مثاليًا للبحث عن علامات الحياة المحتملة، إذ قد تحتفظ بصخور قديمة تعكس الظروف البيئية التي سادت قبل مليارات السنين.


منذ ستينيات القرن الماضي، ضغط العلماء على ناسا لإيجاد طريقة لإحضار عينات من المريخ إلى الأرض، لأن تحليلها على الأرض يوفر إمكانيات علمية لا يمكن تحقيقها في المختبرات المحمولة على المركبة. تُعد مهمة MSR تتويجًا لهذه الجهود الطويلة. عام 2000، كُلف سكوت هوبارد، أول مدير لبرنامج المريخ في ناسا، بإعادة بناء برنامج كان يعاني إخفاقات متعددة في التسعينيات، تضمنت فقدان اثنين من الأقمار الصناعية ومسبار هبوط. وكانت الأولوية القصوى هي الإجابة عن سؤالين محوريين: هل وُجدت الحياة على المريخ يومًا، وهل قد توجد اليوم؟


تزايد الاهتمام بالحياة المريخية بعد إعلان مثير للجدل عام 1996، عندما صرح الرئيس بيل كلينتون بأن علامات حياة قد اكتُشفت في نيزك مريخي عُثر عليه في القارة القطبية الجنوبية. رغم دحض هذا الادعاء لاحقًا، ما جعل البحث عن الحياة على المريخ يتصدر أولويات وكالة ناسا.


 وضعت ناسا خطة متكاملة تضمنت استخدام المركبات والأقمار الصناعية لتحديد أماكن واعدة للبحث عن أدلة الحياة، ثم إرسال المركبة بريسيفرنس لجمع العينات، وأخيرًا إعادة العينات إلى الأرض بحلول عام 2030 بتكلفة أقل من ستة مليارات دولار. أُطلق المركبة من كيب كانافيرال في يوليو 2020، على أمل أن تتبعه مهمة إعادة العينات قريبًا.


في سبتمبر 2021، جمعت بريسيفرنس أول عينة لها، وهي صخرة بركانية من نوع البازلت، ربما تكون نتاج ثوران بركاني في فوهة جيزيرو. وسيساعد تحليل هذه الصخرة على الأرض على تحديد أقدم فترة لتدفق الماء في المنطقة، ويُقدر أنها تعود إلى نحو 3.8 مليار سنة.


منذ ذلك الحين، بدأت المركبة رحلة تدريجية تمتد مسافة 20 ميلًا نحو حافة فوهة جيزيرو، مدعومةً بذراع لجمع العينات ومثقاب، ويحمل 43 أنبوبًا بحجم السيجار لإيداع العينات المثيرة للاهتمام التي اختارها العلماء. بقيت أهم العينات، متضمنةً أنبوب شيافا فولز، على متن المركبة.


تحتوي عينة شيافا فولز على أول اكتشاف مؤكد للمادة العضوية على المريخ. تقول بريوني هورغان، عالمة كواكب في جامعة بوردو: «لهذه العينات مؤشرات حيوية محتملة، ومن المرجح أن تكون أكثر العينات إثارة للاهتمام في مجموعتنا. البقع والنقط على الصخرة قد تكون مرتبطة بالحياة المريخية القديمة».


تُعد هذه العينات مهمة، إذ قد توفر أول دليل ملموس على الحياة في عالم آخر، ما يثبت أن الأرض ليست المكان الوحيد الذي شهد نشأة الحياة، وأن الحياة قد تنشأ عند توفر الظروف والمكونات المناسبة. قد تساعد هذه العينات على فهم سبب اختفاء المجال المغناطيسي للمريخ وتلاشي غلافه الجوي، اللذين ربما ترتبط أسبابهما بتبريد قلب الكوكب وتوقف حركة الصفائح التكتونية قبل مليارات السنين، ما أدى إلى فقدان الكوكب غلافه الجوي نتيجة النشاط الشمسي.


تحمل هذه الصخور إمكانية إنشاء سجل مغناطيسي للكوكب، إذ تشير بنيامين وايس، عالم الكواكب في MIT، إلى أن الإلكترونات في الصخور تكون موجهة وفقًا للمجال المغناطيسي للكوكب في أوقات مختلفة، مثل سجل أحفوري للمجال. تحليل هذه الاتجاهات بالأشعة السينية على الأرض قد يكشف تاريخ نشاط قلب المريخ وربما يوضح سبب كون الكوكب شديد القسوة اليوم مقارنةً بالأرض، ما قد يساعد في البحث عن عوالم صالحة للحياة خارج نظامنا الشمسي.


جمعت بريسيفرنس عينة شيافا فولز بعد ثلاثة أشهر من الشكوك حول مستقبل المهمة، عندما أعلن بيل نيلسون، مدير ناسا آنذاك، عن تأجيل الجزء الخاص بإعادة العينات بسبب التكاليف المرتفعة المتوقعة، التي تصل إلى 11 مليار دولار، وتأخير محتمل حتى عام 2040. وصف القرار بأنه مخيب للآمال ومفاجئ للعلماء المشاركين في المهمة، الذين شعروا بخذلان ناسا.


رغم الانتقادات، فإن مجتمع علوم الكواكب يرى أن مهمة MSR أولوية قصوى. يقول بول بيرن، عالم كواكب في جامعة واشنطن: «على مدار عقود أشار العلماء إلى هذا المشروع وقالوا: هذا ما نريد تحقيقه الآن».


تتطلب إعادة العينات إلى الأرض إنجازات غير مسبوقة، مثل إطلاق مركبة فضائية من سطح المريخ، وهو أمر لم تحاول البشرية تحقيقه من قبل. الخطة الأصلية كانت تتضمن إرسال مركبة جمع عينات صغيرة لبناء صاروخ، لكن ناسا ألغت الفكرة بسبب وزن المركبة الثقيل.


بعد ذلك طلب نيلسون أفكارًا بديلة، فتقدمت شركات مثل سبيس إكس وبلو أوريجين وروكيت لاب بمقترحات، إذ يُمكن تنفيذ المهمة بتكلفة أقل، وموعد إعادة العينات في 2031، وهو أسرع وأرخص مما كان يتوقع علماء ناسا. تأخر القرار حتى منتصف 2026 قد يجعل الصين أول من يعيد عينات المريخ، عبر مهمتها Tianwen-3 المخطط لها في 2028.


في مايو 2025، أصدرت إدارة ترامب ميزانية ناسا لعام 2026، تضمنت إلغاء مهمة MSR لصالح التركيز على إرسال البشر إلى المريخ، ما جعل مصير المشروع معلقًا بيد الكونغرس الأمريكي.


في الوقت نفسه، تواصل بريسيفرنس مهمتها عبر سطح المريخ، مع بقاء أقل من عشر سنوات لمصدر الطاقة النووي الخاص بها، ما يضع مهلة صارمة لتسليم العينات إلى المركبة الثابتة. يمكن للأنابيب أن تدوم حتى نصف قرن، إذا أُلغي MSR، قد تسقط على السطح على أمل جمعها في المستقبل، حتى من قِبل دول أخرى. حاليًا، المركبة متجهة إلى منطقة قد تحتوي على أقدم المواد التي صادفتها، تعود إلى أكثر من أربعة مليارات سنة، إلى فجر نظامنا الشمسي، وما زال لديها أقل من اثني عشر أنبوبًا تنتظر التعبئة.



المصادر:


الكاتب

أمير المريمي

أمير المريمي
ترجمة

أمير المريمي

أمير المريمي
مراجعة

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين
تدقيق

وسام صايفي

وسام صايفي



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة