يعتقد العلماء أن تحفيز العصب المبهم قد يساعد على حماية الذاكرة!
يعتقد معظم الناس أن مرض ألزهايمر مرض يتعلق بالتقدم في العمر والشيخوخة، لكن الحقيقة أن التغيرات الدماغية التي تُميز المرض تبدأ في وقت مبكر جدًا، تقريبًا عند سن الثلاثين.
تبدأ أولى هذه التغيرات بتراكم بروتين يسمى تاو بشكل متشابك في منطقة صغيرة عميقة في الدماغ تُعرف بموقع سيريوليوس، وهي منطقة مسؤولة عن النوم والانتباه واليقظة. ثم ينتشر هذا التراكم لاحقًا إلى باقي أجزاء الدماغ.
لا يعني وجود تشابكات تاو لدى الشخص بأنه مصاب فعليًا بمرض ألزهايمر، إذ يحدث هذا التراكم لدى معظم الأشخاص بدرجات متفاوتة. لكن، نظرًا إلى أن هذه التغيرات تبدأ في موقع سيريوليوس، يرى بعض الباحثين في الدماغ -منهم د. إليزابيث- أن هذه المنطقة هي بمثابة علامة تحذيرية مبكّرة تُنذر بظهور مرض ألزهايمر.
يبحث العلماء إمكانية وقف تكوّن تشابكات تاو في هذه المنطقة أو إبطائها أو المحافظة على سلامتها، وسيلةً لوقف تطور المرض قبل أن يتدهور بشكل كبير، ومن جهة أخرى لمنع بعض مظاهر الشيخوخة المعرفية.
تتقصى الأبحاث الحديثة من مختبر د.إليزابيث رايلي وغيره من المختبرات حول فكرة علاج يُسمى تحفيز العصب المبهم، علاج يستخدم على نطاق واسع من العالم لعلاج حالات صحية أخرى، إن كان بالإمكان اتخاذه وسيلةً للحفاظ على وظيفة منطقة سيريوليوس بشكلها الصحيح.
منطقة سيريوليوس ومرض ألزهايمر
تقع في جذع الدماغ، في أدنى جزء منه، وسُميت «البقعة الزرقاء» نسبةً إلى صباغ يسمى الميلانين العصبي الذي تنتجه خلاياها. يؤدي الموضع الأزرق دورًا مهمًا في العديد من الوظائف الأساسية للبشر. إذ ينتج تقريبًا كل النورإيبينفرين في الدماغ، مادة كيميائية حيوية مهمة للنوم واليقظة والتركيز والتعلّم وحتى وظيفة الجهاز المناعي.
إضافةً إلى أنه يتلقى مدخلات من أعصاب تنشأ في جميع أنحاء الدماغ والجسم، يشمل ذلك العصب المبهم، الذي ينقل المعلومات من وإلى القلب والرئتين وأعضاء أخرى.
تبحث د. إليزابيث في بنية هذه المنطقة، وكيفية تمرير الخلايا العصبية للرسائل داخلها، وكيف تتصل مع مناطق دماغية أخرى. تتقصّى أيضًا آلية تغيّر هذه الميزات مع التقدم في العمر وكيف تؤثر في التفكير والذاكرة.
تشير الدراسات إلى أنه بدءًا من منتصف العمر، قد تتعرض خلايا العصب في الموضع الأزرق للضرر نتيجة تراكم تاو، وربما يُعزى تدهور الذاكرة لهذا الضرر. إن تراكم تاو وموت الخلايا وفقدان وظائف الموضع الأزرق يسبق تشخيص مرض ألزهايمر وأعراضه، وقد يتنبأ به.
ما قاد العلماء إلى فرضية أن الحفاظ على صحة الموضع الأزرق قد يكون وسيلة لحماية سائر أجزاء الدماغ.
تحفيز العصب المبهم وصحة الدماغ
العصب المبهم عصب ينقل المعلومات بين الدماغ والأعضاء في الصدر والبطن مثل القلب والأمعاء، ويساعد الدماغ على مراقبة وتنظيم العديد من الأعضاء الأساسية بالجسم، ومسؤول عن إرسال إشارات «الراحة والهضم» في جميع أنحاء الجسم وتحفيز عملية الهضم وتعزيز إصلاح الخلايا.
في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، اكتشف الباحثون أن تنبيه العصب المبهم قد يساعد على تخفيف نوبات الصرع، وتبين أيضًا أن هذا الإجراء غالبًا ما يقدم فوائد أخرى، مثل تحسين المزاج والقدرة على التفكير.
في وقتنا الحالي، وافقت إدارة الغذاء والدواء على العلاج بتنبيه العصب المبهم ليس فقط لعلاج الصرع، وإنما أيضًا لعلاج الشقيقة والاكتئاب، إضافةً إلى المساعدة على إعادة تأهيل المرضى بعد السكتة الدماغية.
عادةً ما يتطلب تنبيه العصب المبهم من أجل علاج الصرع والاكتئاب زرع جهاز كهربائي في الجانب الأيسر من صدر المريض، حيث يمر العصب المبهم. أما الأجهزة غير الجراحية لعلاج الصداع فتستخدم نبضات خفيفة من الكهرباء تُرسل إلى مناطق معينة في الرقبة أو الأذن، حيث يكون العصب المبهم قريبًا جدًا من سطح الجلد.
قبل اكتشاف ارتباط الموضع الأزرق بمرض ألزهايمر، ظن الباحثون أن تنبيه العصب المبهم قد يساعد على تحسين المزاج والقدرة على التفكير لدى المصابين بالمرض، إذ إن تنبيه العصب المبهم قد يعمل جزئيًا برفع مستويات نورإبينفرين في الدماغ، والمصابين بمرض ألزهايمر يكون لديهم مستوى منخفض جدًا من نورإبينفرين في أدمغتهم.
ما تزال أبحاث العلماء قائمة لمعرفة الفائدة من تنبيه العصب المبهم للدماغ أو آلية عمله، إلا أن إحدى النظريات الرائدة تشير إلى أنه يساعد على تنظيم نشاط خلايا الأعصاب في الموضع الأزرق ما يمكنها من العمل كما ينبغي.
إذ إن نشاطًا مفرطًا في هذا الموضع قد يجعل الأشخاص أكثر يقظة، ما قد يؤدي إلى الشعور بالتوتر أو حتى الهلع، في الواقع فإن فرط نشاط الموضع الأزرق قد يغذي بعض أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، أما انخفاض نشاطها فقد يسبب الاكتئاب أو مشكلات في الذاكرة.
بعض أشكال تنبيه العصب المبهم لا تؤثر في نشاط الموضع الأزرق زيادةً أو نقصانًا، بل تؤثر في توقيت إطلاق الإشارات في خلاياها وسرعتها. يبدو أن الأشكال الأخرى من التنبيه قد تزيد مستوى نورإبينفرين في أدمغة الفئران، ويفترض الباحثون أن هذا أيضًا قد يكون جزءًا من طريقة علاج الصرع بتنبيه العصب المبهم.
أدت هذه النتائج المتنوعة إلى اقتراح أن تنبيه العصب المبهم قد يعمل منظمًا فعالًا للموضع الأزرق، ما يساعد على ضبط مستوى النشاط ليحقق الأداء الأمثل.
هل يمكن لتنبيه العصب المبهم أن يعاكس فقدان الذاكرة؟ تظهر مؤشرات مثيرة للاهتمام أن تنبيه العصب المبهم قد يساعد الدماغ عند التقدم في السن.
أظهرت بعض الدراسات أن هذه التقنية قد تمنع تدهور الذاكرة أو حتى تحسنها لدى الأشخاص الذين يعانون ضعفًا إدراكيًا بسيطًا أو في المراحل المبكرة من مرض ألزهايمر.
في تجربة شملت 52 شخصًا تتراوح أعمارهم بين 55 و75 عامًا، مُشخّصين بضعف إدراكي بسيط، أظهروا تحسنًا ملحوظًا في الذاكرة والقدرات الإدراكية العامة بعد تلقي تنبيه العصب المبهم مدة ساعة يوميًا في خمسة أيام من الأسبوع، مدةً تقارب ستة أشهر.
أظهرت الأبحاث التي أُجريت على البالغين الأصحاء الذين تتراوح أعمارهم بين 60 عامًا -وعلى البالغين الأصحاء من عمر 18 إلى 25 عامًا- وجود تحسن في جوانب مختلفة من مهام الذاكرة بعد جلسة واحدة فقط من تنشيط العصب المبهم.
ما تزال هذه الدراسات في مراحلها الأولى، لكنها تبشّر بأمل في إيجاد وسيلة جديدة للمساعدة على تقليل بعض الأعراض المزعجة المرتبطة بمرض ألزهايمر والشيخوخة.
المصادر:
الكاتب
رغد شاهين
