يكشف العلماء كيف تفيد التمارين الرياضية كل جزء من الجسم

12 يوليو 2026
17 مشاهدة
0 اعجاب

يكشف العلماء كيف تفيد التمارين الرياضية كل جزء من الجسم



يسهل القول إن دور عضلة ما في الجسم مجرّد محرّك ميكانيكي بسيط، غير أنّ الحقيقة أعقد بكثير؛ فعضلاتنا تعمل كغدّة صمّاء تكاد تؤثر في كل جهاز من أجهزة الجسم؛ فعندما تنقبض العضلة تُطلِق مئات الجزيئات المعروفة باسم الميوكاينات، وهي مواد أساسية لتعمل وظائف الجسم عملًا صحيحًا.


غيّر اكتشاف هذه الجزيئات مسار علم وظائف الأعضاء الحديث، وأرسى فكرة أن «التمارين الرياضية دواء»، غير أنّ هذا المفهوم قاصر لا يفي بالغرض تمامًا؛ ففي الواقع نستطيع التعمق أكثر من ذلك، والقول إن الحركة ضرورة صحية لا تقل شأنًا عن التنفس أو الطعام، وإن نمط الحياة الخامل وقلة الحركة يمكن عدّهما مصدرًا للمرض.


تتواصل هرمونات الميوكاينات مع أعضاء متعددة عبر مجرى الدم مثل الدماغ والأنسجة الدهنية والكبد والعظام والجهاز المناعي، وتشير مراجعة علمية نُشرت عام 2024 إلى أنها السبب الرئيس وراء الأثر الإيجابي للتمارين الرياضية في تعزيز المناعة،


وأكثر هذه الجزيئات دراسةً حتى اليوم هو الإنترلوكين-6 (IL-6)؛ فهو يُفرَز في حالة الراحة لكن مستوياته ترتفع في أثناء التمارين الهوائية أو التمارين الرياضية عالية الشدة إلى ما يقارب مئة ضعف.


من الجزيئات المهمّة أيضًا الإيريسين (Irisin) الذي يؤدي دورًا محوريًا في توازن الدهون، وأيضًا عامل التغذية العصبية المشتقّ من الدماغ (BDNF)  المرتبط بالمرونة العصبية والوظائف الإدراكية.


إضافةً إلى ذلك تحفّز التمارين الرياضية أعضاء أخرى على إفراز الإكسركاينات (Exerkines)، وهي جزيئات لا تقلّ أهمية، فقد كشفت مراجعة علمية عام 2022 عن دورها في صحة القلب والاستقلاب والمناعة والجهاز العصبي.



أمّا في حالة الخمول (أي حين يقلّ دوران هذه الجزيئات في أجسامنا) فإنّ خطر الإصابة بالأمراض والوفاة يرتفع لأيّ سبب.



دور الميوكاينات في أجهزة الجسم المختلفة



الجهاز المناعي


تشير منشورات حديثة إلى وجود ما لا يقلّ عن تسعة مايوكاينات تؤثر في سلامة عمل الجهاز المناعي، من بينها: الإيريسين والديكورين والإنترلوكينات IL‑6 وIL‑7 وIL‑15.  


يسهم إفرازها في أثناء التمرين في تكاثر الخلايا المناعية وتمايزها، ما يعزز المراقبة المناعية، ويخفف الالتهاب الجهازي المزمن، وهو عامل رئيس في الوقاية من أمراض أيضية وقلبية وعائية عديدة، IL‑6 مثلًا يعمل إشارةً مضادّة للالتهاب تنظّم نشاط الخلايا اللمفاوية والبلعمية والخلايا القاتلة الطبيعية.


الجهاز العصبي والإدراكي


تمارس العضلات تأثيرًا مباشرًا في الدماغ عبر ما يُعرف بالمحور العضلي–الدماغي


وتُظهر الدراسات أنّ جزيئات مثل BDNF والإيريسين والكاتيبسين B تحفّز تكوين خلايا عصبية جديدة وترتبط بتحسّن التعلّم والذاكرة وبالحماية من التراجع الإدراكي المصاحب للأمراض التنكسية العصبية.


فالإيريسين مثلًا يرتبط بارتفاع مستويات BDNF في الحُصين، وهو منطقة أساسية للذاكرة، أمّا الكاتيبسين B فيسهم في تجديد العصبونات وتحسين الوظائف المعرفية.


وتفسر هذه الإشارات الكيميائية سبب انخفاض خطر التدهور الإدراكي لدى الأشخاص النشطين بدنيًا وتمتّعهم بصحّة نفسية أفضل، فالدماغ يصغي لما تقوله العضلات عند انقباضها، ويستجيب بالتكيف ويصبح أقوى.


استقلاب الغلوكوز والدهون


يؤدي IL‑6 في أثناء التمرين دورًا أساسيًا في تحرير الأحماض الدهنية من النسيج الشحمي، ولا سيما الدهون الحشوية التي تتراكم في جوف البطن وتشكل خطرًا أكبر، ما يعزّز حرق الدهون ويساعد على ضبط مستويات الغلوكوز في الدم.


زيادة حساسية الإنسولين أيضًا، ما يمكّن العضلة من امتصاص الغلوكوز بكفاءة أعلى، وهذا يفسّر فوائد التمارين الرياضية في الوقاية من السكري من النمط الثاني.


بصورة عامة؛ تعمل العضلة منظّمًا حراريًا أيضيًا يضبط استهلاك الطاقة ويحدّد متى يجب استحداثها أو تخزينها أو استخدامها تبعًا للنشاط البدني.


الجهاز القلبي الوعائي


مع أنّ ممارسة التمارين الرياضية لدى مرضى القلب يجب أن توصف تحت إشراف اختصاصيين مثل أطباء القلب أو العلاج الفيزيائي، فإنّها تُعدّ وسيلة فعالة في الوقاية من الأمراض القلبية الوعائية.


يؤدي النشاط البدني إلى إطلاق الإكسركاينات، التي تدعم توسع الأوعية الدموية وتحسن وظائفها وتقلل من تصلب الشرايين.


وهذا يفسر سبب انخفاض خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب الإكليلية وفشل القلب لدى الأشخاص النشطين بدنياً.


العظام وهشاشة العظام


تتفاعل العضلات مع الهيكل العظمي، فتسهم عدّة ميوكاينات في تكوين العظام وإعادة تشكيلها عبر تحفيز نشاط الخلايا البانية للعظم (Osteoblasts)، وتنظيم كثافة المعادن في العظام. ويُعد هذا دورًا مكملاً ضرورياً للإجهاد الميكانيكي الناتج عن التمارين الرياضية، للوقاية من هشاشة العظام وإيقافها.


 تثبيط الأورام وتقليل خطر السرطان


تشير مقالة نُشرت في ذا لانسيت أونكولوجي إلى أنّ نمط الحياة الخامل يُعدّ عامل خطر لأكثر من عشرة أنواع من السرطان.


ويُفسَّر ذلك -جزئيًا- بأنه في أثناء ممارسة التمارين الرياضية تُطلق ميوكاينات تعيق انتشار الخلايا السرطانية وتقلّل من تلف الحمض النووي في الخلايا المعرّضة للتحول الخبيث.


إلى جانب ذلك تسهم التمارين الرياضية في تحفيز الخلايا المناعية القادرة على تعرّف الخلايا الورمية وتدميرها في مراحلها المبكرة، فحتى جلسة تمرين واحدة كفيلة برفع مستويات الميوكاينات التي تثبط نمو الخلايا السرطانية.


تُظهر هذه الدلائل مجتمعةً أنّ عضلاتنا تعمل كغدّة صمّاء كاملة الوظيفة، فكل انقباض عضلي يُطلِق إشارات تنظم توازن الجسم الداخلي، ما يعني أن الحركة ضرورة بيولوجية لسلامة أجهزة الجسم لتؤدي وظائفها.















المصادر:


الكاتب

سيدرا عيسى

سيدرا عيسى
تدقيق

باسل حميدي

باسل حميدي
مراجعة

تسنيم الطيبي

تسنيم الطيبي



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة