توجد فجوة بين الطريقة التي يصف بها العلماء عادة المسافات الفلكية وبين الوحدات المنطقية للشخص العادي. فالفضاء، كما كبير حقًا، ما يعني أننا بحاجة إلى وحدات كبيرة لوصفه، إذ يمكننا قياس المسافة من الأرض إلى مجرة أندروميدا (المرأة المسلسلة) بالسنتيمتر إذا كنا نريد حقًا ذلك، لكن سينتهي الأمر بكثير من الأصفار عديمة المعنى والمربكة.

إن الوحدات الفلكية التي يعرفها الجمهور على نحو أشيع هي السنوات الضوئية. وكما يشير اسمها، إنها المسافة التي يقطعها الضوء من خلال الفراغ في أثناء الوقت الذي يستغرقه كوكب الأرض للدوران حول الشمس. صحيح أنها تتجاوز النطاق الذي يمكن لمعظم الناس تصوّره، لكن الاسم مألوف على الأقل. علاوة على ذلك، فإن النجم الأقرب إلينا بخلاف الشمس، يبعد قليلاً أكثر من أربع سنوات ضوئية، لذلك يعطي ذلك إحساسًا بالحجم عند الحديث عن نجوم أبعد.

تشير السنوات الضوئية أيضًا إلى شيء مثير للاهتمام، وإن لم يكن مفيدًا دائمًا وهو مقدار الوقت الذي استغرقه الضوء للوصول إلينا. بالتالي، عندما نقول إن المستعر الأعظم الذي رأيناه للتو يبعد 21 مليون سنة ضوئية، فإننا لا نحتاج إلى إعادة حساباتنا لمعرفة أنه انفجر قبل 21 مليون سنة.

تعد السنوات الضوئية وحدة قياس مفيدة جدًا لدرجة أنه في بعض الأحيان يكون من المفيد استخدام مشتقاتها، مثل قياس المسافة بين النجوم بالأشهر الضوئية، أو قياس المسافة إلى المركبة الفضائية فوياجر بالساعات الضوئية.

إنها الوحدة المستخدمة في المواقع العلمية بصورة أكثر شيوعًا في المقالات الفلكية. على الرغم من ذلك، عند قراءة الأوراق العلمية الأصلية نجد أن السنوات الضوئية نادرًا ما تحظى بالذكر.

بدلاً عن ذلك، تعد كل من الوحدات الثلاث الآتية: (الوحدة الفلكية AU، والفرسخ الفلكي PC، والانزياح نحو الأحمر) المرجعية الفُضلى للمسافات الفلكية. تلجأ واقع العلوم الشهيرة أحيانًا إلى استخدام هذه الوحدات أيضًا، خاصة الوحدة الفلكية، لذا فمن المفيد معرفة ما تعنيه كل واحدة.

بادئ ذي بدء، تجدر الإشارة إلى كيف أن كل هذه الوحدات تعتمد على الأرضباستثناء وحدة الانزياح الأحمر. بعبارة أخرى، تُرَسَّخ ظروفنا المحلية من خلال الطريقة التي نقيس بها الكون؛ إذ إن رؤيتنا للكون نادرًا ما تكون موضوعية، إنما تتشكل استنادًا إلى مكان أصلنا.

تُستخدم الوحدات الفلكية لقياس المسافات داخل النظام الشمسي، وأحيانًا داخل أنظمة نجوم أخرى.

تعادل وحدة فلكية متوسط المسافة بين الأرض والشمس: 150 مليون كيلومترًا، أو 93 مليون ميلًا، أو 8.3 دقيقة ضوئية. ولهذا مزايا عدة، قد لا يعرف معظمنا بالضبط مدى بعدنا عن الشمس، لكنها ما تزال قياسًا مفيدًا لتقييم ما إذا كان الجسم الذي يمر بالقرب منا يشكل تهديدًا، أو لفهم سبب حرارة الكواكب الأخرى أو برودتها. في الوقت نفسه، يكون مقياس السنوات الضوئية أكبر من وصف هذه الأنواع من المسافات.

لا يعد الفرسخ الفلكي وحدة قياس مألوفة كثيرًا؛ إذ إنه المسافة التي يجب أن يكون عليها النجم لإظهار اختلاف منظره بمقدار ثانية قوسية واحدة، ما يعني أنه يبدو أنه يتحرك بمقدار 3600 جزء من الدرجة مقابل النجوم الأبعد عندما تتبدل الأرض بين طرفي مدارها.

لا يعد وصف الفرسخ الفلكي وصفًا واضحًا كفاية، إضافةً إلى أنه لا يعد وحدة قياس أفضل من وحدة السنة الضوئية؛ إذ إن الفرسخ الفلكي يعادل 3.26 سنة ضوئية. لذلك، فالأمر لا يتعلق بكون الفرسخ الفلكي وحدة قياس أكبر أو أصغر لكونه طريقة فُضلى لوصف مسافات معينة. في الواقع، يعد الفرسخ الفلكي أمرًا مبهمًا لدرجة أن فيلم حرب النجوم الأساسي بدا أنه استخدمه بوصفه وحدة قياس زمنية، وليس وحدة قياس المسافات، على الرغم من أن تفسيرًا ذكيًا جدًا ابتُكِرَ لإنقاذ الوضع حينها.

على الرغم من ذلك، تشير معظم الأوراق البحثية إلى قياس مسافة النجوم القريبة بالفرسخ الفلكي، والمسافات داخل المجرة بالكيلو فرسخ فلكي، والمسافات بين المجرات القريبة بالميجا فرسخ فلكي. يمكن تحويل ذلك إلى السنوات الضوئية ببساطة من خلال القسمة على 3.26.

يبدو أن سبب تفضيل الفلكيين لاستخدام الفرسخ الفلكي مجرد عادة، فلا يملك مقياس الفرسخ الفلكي أي مزايا فعلية تضاهي مقياس السنوات الضوئية. قد يُجادل بعض الأشخاص على نحو ساخر بأنها بقايا من الأيام التي كان فيها استخدام مصطلحات غير المتخصصين أمرًا مرغوبًا به، وليس عائقًا أمام تقدير الجمهور للعلوم.

على الرغم من أن أسباب حدوث الانزياح نحو الأحمر أكثر وضوحًا، لكنها ما تزال أكثر وحدة قياس مبهمة على الإطلاق؛ إذ إن الانزياح نحو الأحمر يعد نتاجًا لتوسع الكون. فمع نمو الكون تتحرك المجرات بعيدًا عن بعضها ما يؤدي إلى تحول الضوء الصادر عنها إلى أطوال موجية أطول. أما فيما يتعلق بالمجرات القريبة، يكون ذلك التحول صغيرًا وقد تطغى عليه عوامل محلية تؤدي إلى تحرك بعض المجرات نحونا.

مع زيادة المسافات، كلما كانت المجرة أبعد زاد طول الموجة، أو زاد انزياحها نحو الأحمر؛ إذ إن العلاقة بين الانزياح نحو الأحمر وبين المسافة ليست معروفة تمامًا، بل تعتمد على قيمة ما تزال غير مؤكدة تُعرف باسم ثابت هابل.

نظرًا لأنه في معظم الحالات يمكننا قياس الانزياح نحو الأحمر، فمن المنطق وصف المجرة بهذه الطريقة بدلاً عن قياس مسافتها بالسنوات الضوئية أو الفرسخ الفلكي.

مما لا شك فيه أن عملية تحويل الانزياح نحو الأحمر إلى سنوات ضوئية ليس بالأمر السهل؛ إذ يعتمد على مجموعة من الافتراضات تتعلق بالكون، وهي غير متفق عليها عالميًا. توجد حاسبات مختلفة على الإنترنت، لكنها لا تعطي دائمًا الإجابات ذاتها، لأنها ترى هذه الإجابات بطرق مختلفة.

نتيجةً لذلك، عندما يتحدث مقال علمي شائع عن المسافات التي تفصل بين المجرات والكون المبكر، لا تكون النتائج مؤكدةً غالبًا.

اقرأ أيضًا:

تقلبات الزمكان حول الثقب الأسود قد تفسر بعض ألمع الأشياء في الكون

أين بدأ الكون؟

ترجمة: محمد فواز السيد

تدقيق: ريمي سليمان

المصدر