يُعد الفيروس التوارمي البشري 2 -أو فيروس جون كننغهام- فيروسًا شائعًا جدًا، وقد تبلغ نسبة المصابين به بين 50% إلى 90% إذا أُجري اختبار لعددٍ كافٍ من سكان العالم.

من هو جون كننغهام؟

سجل الباحثون الفيروس التوارمي البشري منذ عام 1960، وذلك عندما اكتشفه الطبيب جون كننغهام في دماغ أحد مرضى السرطان، وأطلقوا عليه اسم الفيروس التوارمي البشري، لكن الكثير من الناس ما زالوا يسمونه بفيروس جون كننغهام.

لا يُسبب الفيروس التوارمي البشري أي مشكلات لدى معظم الناس الأصحاء، وغالبًا لا يعلمون أنهم حاملون للفيروس ولا يمرضون بسببه، وذلك لأن الفيروس يُصبح خاملًا غير فعال. أما ذوو المناعة الضعيفة فيعانون خطر تطور مرض شديد ومميت عند إصابتهم بالفيروس التوارمي البشري.

الفيروس التوارمي البشري:

يُعد الفيروس التورامي البشري شائعًا جدًا ولا يُسبب عادةً أي أعراض، وينتقل بسهولة بين الأشخاص المقربين من بعضهم كانتقاله من الأهل إلى الأبناء.

يوجد هذا الفيروس عادةً في اللوزات، لكنه قد يوجد أيضًا في الجهاز الهضمي أو الكلى. ويستطيع الفيروس التوارمي البشري عبور الحاجز الدماغي الدموي، بعكس الجراثيم الأخرى.

ما تزال آلية عمل الفيروس التوارمي البشري غير معروفةً، لكن الباحثين يعلمون أنه يصيب الخلايا التي تُصنّع الغطاء الحامي للخلايا (الميالين) فور دخوله الدماغ. تخسر الأعصاب نتيجة ذلك حمايتها -ما يُعرف بزوال الميالين- ويتضرر الدماغ.

العلاقة بين الفيروس التوارمي البشري واعتلال بيضاء الدماغ متعدد البؤر المترقي:

يتمثل الخطر الأكبر عند دخول الفيروس إلى الدماغ بإصابة المريض بمرض اعتلال بيضاء الدماغ متعدد البؤر المترقي، وهو مرض نادر ومميت يُسبب أضرارًا شديدةً ومتسارعة للمادة البيضاء في الدماغ، إذ يموت 30% إلى 50% من المرضى خلال الأشهر الأولى من المرض، بينما يعانى الباقي من إعاقة وعجز عصبي مزمن.

لا يعلم الباحثون سبب إصابة بعض حاملي الفيروس بهذا المرض وعدم إصابة آخرين، لكن احتمالية الإصابة تعتمد على العوامل الجينية، والبيئية، ونمط الحياة.

الأعراض:

لا يُسبب الفيروس التوارمي البشري أي أعراض لدى الناس الأصحاء لأنه خامل. لكنه يتفعّل عند ذوي المناعة الضعيفة مؤديًا لإصابتهم باعتلال بيضاء الدماغ متعدد البؤر المترقي، وتضرر مناطق مختلفة من الجسم، غالبًا الدماغ. وتعتمد الأعراض على مكان الضرر، وتتضمن ما يلي:

  •  الضعف والتعب.
  •  صعوبات حركية.
  •  صعوبة التفكير.
  •  مشكلات في الكلام أو عدم القدرة على الكلام.
  •  مشكلات حديثة في الإبصار أو العمى.
  •  فقدان الحس أو شلل في الأطراف.
  •  أعراض مشابهة للخرف وتغيرات في الشخصية.
  •  نوبات.
  •  الصداع (يكون أكثر شيوعًا لدى المصابين بفيروس عوز المناعة البشري).

لا تبدأ أعراض اعتلال بيضاء الدماغ متعدد البؤر المترقي جميعها في الوقت ذاته، بل تتدرج وتزداد سوءًا بسرعة بعد ذلك، وتتفاقم حالة المريض بسرعة حتى لا يستطيع ترك السرير.

قد يتسبب المرض بموت المريض خلال شهر من الإصابة عند عدم تلقي العلاج المناسب، وقد يعيش بعض المرضى سنةً (أو نادرًا سنتين) بعد الإصابة.

كيف يُصاب المريض بالفيروس التوارمي البشري؟

يتعرض معظم الأشخاص لخطر تلقي الفيروس في طفولتهم، ومن عائلاتهم خصوصًا. أظهرت الأبحاث أن أفراد العائلة الواحدة يميلون للإصابة بالسلالة ذاتها -أو المشابهة لها- من الفيروس التوارمي البشري. ويُعد نقل الأهل الفيروس لأطفالهم أحد أكثر طرق الانتشار تكرارًا، وذلك لسهولة انتقاله بين الأشخاص المقربين.

يخرج الفيروس التوارمي البشري مع البول لدى إصابته الكليتين، ما يُعرض بعض الأشخاص لخطر الإصابة نتيجة الاتصال.

لا يُعاني الأشخاص الأصحاء عادةً من أي أعراض عدوى، وقد لا يعلمون بتعرضهم للفيروس من الأصل. ويبقى الفيروس التوارمي البشري عند دخوله الجسم خامدًا دون أن يُسبب أي أمراض، لكنه يبدأ بتسبيب الأمراض عند تفعيله لسببٍ ما.

عوامل الخطر المرافقة الفيروس التوارمي البشري:

تزيد بعض العوامل من خطر إعادة تفعيل الفيروس التوارمي البشري، وتتضمن:

  •  ضعف مناعة المريض نتيجة إصابتهم بالسرطان أو فيروس عوز المناعة البشري (الإيدز).
  • تناول المريض لأدوية مثبطات المناعة وذلك بسبب الإصابة بأمراض المناعة الذاتية أو إجراء عملية نقل الأعضاء.

يُعاني ذوو المناعة المنخفضة -في حالات المرض أو تناول أدوية معينة- من خطر الإصابة بعدد من الأمراض، يتضمن ذلك الفيروس التوارمي البشري.

خطر الإصابة بالفيروس موجود دائمًا لأنه شائع، ما يجعل الاختبارات الدائمة ضروريةً ومفيدةً جدًا للكشف عنه.

هل يزيد التصلب المتعدد من خطر الإصابة باعتلال بيضاء الدماغ متعدد البؤر المترقي؟

يتسبب ضعف الجهاز المناعي -بسبب تناول أدوية معينة مثلًا- بزيادة خطر الإصابة باعتلال بيضاء الدماغ متعدد البؤر المترقي بسبب الفيروس.

يُعاني مرضى التصلب المتعدد من أضرار وآفات في الجهاز العصبي، خصيصًا في الدماغ. ويُعالج التصلب المتعدد بأدوية تثبط جهاز المناعة وتمنعه من الهجوم على الجسم وإضراره، وهذا ما يرفع من احتمالية الإصابة باعتلال بيضاء الدماغ.

أظهرت هيئة الأغذية والأدوية الأمريكية أن مجموعة من الأدوية المستخدمة لعلاج التصلب المتعدد تزيد من خطر الإصابة باعتلال بيضاء الدماغ متعدد البؤر المترقي.

  •  غيلينيا (فينغوليمود).
  •  تيسابري (ناتاليزوماب).
  •  نوفانترون (ميتوكسانترون).
  •  تيكفيديرا (ثنائي ميثيل الفومارات).

تزيد أيضًا الأدوية المستخدمة لحماية الجسم من رفضها العضو الجديد في عمليات زراعة الأعضاء من خطر الإصابة، ومنها:

  •  إيموران (آزاثيوبرين).
  •  سيل سيبت (ميكوفينولات موفيتيل).

وترتبط بعض الأدوية المُستخدمة لعلاج أمراض المناعة الذاتية بزيادة خطر الإصابة باعتلال بيضاء الدماغ، مثل:

  •  ميثوتركسات.
  •  الستيروئيدات القشرية.
  •  سايكلوفوسفاميد.

تشخيص الفيروس التوارمي البشري:

يستطيع الطبيب تشخيص الإصابة بالفيروس التوارمي البشري واعتلال بيضاء الدماغ متعدد البؤر المترقي بالاختبارات التالية:

  •  تحاليل الدم: تهدف إلى الكشف عن وجود أضداد الفيروس التوارمي البشري. وإذا أظهرت نتائج الاختبار وجود هذه الأضداد، لا يعني ذلك تأكيد الإصابة باعتلال بيضاء الدماغ متعدد البؤر المترقي. يُراقب الطبيب حينها أعراض المرض، أو وجود أي عوامل خطر إضافية تزيد من فرصة الإصابة بالداء، مثل الأدوية.
  •  البزل القطني: يُطلب أحيانًا إذا كان المريض يُعاني أعراضًا تشبه أعراض الفيروس التوارمي البشري، وقد يتضمن أيضًا فحص تفاعل البوليميراز المتسلسل، وهو فحص خاص يكشف عن وجود DNA الفيروس التوارمي البشري في السائل الشوكي.
  •  التصوير: يُفيد التصوير بالرنين المغناطيسي والتصوير المقطعي المحوسب في الكشف عن الدماغ، والكلى، وغيرها من الأعضاء. قد يرى الطبيب أذياتٍ في أماكن التضرر إذا كان الفيروس فعالًا.

قد يحتاج الطبيب إلى أخذ عينة من الدماغ إذا أظهر المريض أعراضًا للداء، وكثير من الأطباء لا يلجأون لهذه الطريقة.

علاج الفيروس التوارمي البشري:

لا يوجد علاج للفيروس التوارمي البشري أو اعتلال بيضاء الدماغ. ولكن الكشف المبكر عن الإصابة قيد يسمح بعلاجات تقلل احتمال المضاعفات طويلة الأمد.

قد يطلب الطبيب من المريض الامتناع عن تناول أدوية تثبيط المناعة مثل الستيرويدات. ويجب على الفريق مراقبة المريض من كثب بغض النظر عن سبب تناوله للأدوية. إذ يترافق إيقاف الأدوية مع بعض المخاطر، وعلى ذلك تجب مقارنة تلك المخاطر مع مخاطر الإصابة باعتلال بيضاء الدماغ متعدد البؤر المترقي.

يُعد شروع مرضى فيروس نقص المناعة البشرية بالعلاج المضاد للفيروسات الرجعية أمرًا ضروريًا ومهمًا أيضًا.

يبدأ مرضى اعتلال بيضاء الدماغ بالتحسن فور امتناعهم عن تناول الأدوية السابقة، ولا يعني ذلك توقف الفيروس عن إضرار الجسم، لأن التضرر الحاصل للدماغ غير قابل للشفاء.

بعض المرضى لا يتحسنون أو حتى يزدادون سوءًا، يعود ذلك لهجوم الجسم الشديد على الفيروس التوارمي البشري نتيجة الامتناع عن تناول الأدوية المثبطة للمناعة. تكمن مهمة الطبيب في وصف الدواء الذي يُحسن حالة المريض ويمنع حصول أي مضاعفات مثل تورم الدماغ.

اقرأ أيضًا:

العلاج بمضادات الفيروسات القهقرية عالية الفعالية: كيف قلب موازين علاج مرض الإيدز؟

التصلب المتعدد

ترجمة: رهف وقّاف

تدقيق: محمد حسان عجك

المصدر