تمثل الانفجارات البركانية تحت سطح البحر أكثر من ثلاثة أرباع مجموع البراكين الحادثة على كوكب الأرض، ولكن نادرًا ما نرى التأثيرات.

كان بركان (هونغا تونغا-هونغا هاباي)، الذي انفجر عام 2022 حالةً استثنائيةً دراماتيكية، إذ تسبب ذلك الانفجار الغاضب من المياه الضحلة إلى اختراق سطح المحيط واختراق طبقة الستراتوسفير وإنتاج موجة جوية صادمة دارت حول الكرة الأرضية عدة مرات.

لقد علمنا بالخسائر البشرية التي أحدثها هذا الانفجار. والآن، تبحث إحدى الدراسات الجديدة في التأثيرات الحادثة تحت الماء لثوران بركان هونغا تونغا، فقد أوضحت لنا بالتفصيل مدى شراسة ذلك الانفجار الذي مزق قاع البحر والكابلات البحرية، بالإضافة إلى حالة الاختناق الناتجة للحياة البحرية.

تقول الكاتبة الأولى سارة سيبروك، عالمة الكيمياء الحيوية البحرية في المعهد الوطني النيوزيلندي لأبحاث المياه والغلاف الجوي: «يتسبب الثوران في تغييرات كبيرة تؤثر بدورها في مستويات العناصر الغذائية والأكسجين في الماء، إذ يكون لها ردود فعل غير مفهومة حتى الآن.

في منطقة في نيوزيلندا محاطة بالبراكين تحت سطح البحر، قارنت سيبروك وزملاؤها مسحات خرائط قاع البحر التي أُجريت بعد ثلاثة أشهر من بركان يناير 2022 بالبيانات التي جُمِعَت من ذات المنطقة بين عامي 2015 و 2017.

كتب الباحثون في ورقتهم البحثية: «عادة ما تكون التأثيرات الناتجة عن الانفجارات البركانية مختفية عن الأنظار، ونزعم بوجود عواقب وخيمة فيما بعد، بما في ذلك فقدان الحياة البحرية على نطاق واسع، إلى جانب الأضرار التي لحقت بوصلات الاتصالات الحيوية في قاع البحر، ولا ننسى أيضًا التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية غير المباشرة».

سعى الفريق أيضًا في تجميع مجموعة من البيانات المُستمَدة من تقنية السونار القائم على السفن، ونوى الرواسب، والتحليلات الجيوكيميائية وعينات الماء العمودية إلى جانب لقطات الفيديو المُصوَّرة لعمل رسم بياني عن الاضطرابات القوية المدمرة.

كتبت سيبروك: «لم تكن هذه البيانات متوفرة في السابق لحدثٍ جًلل مثل ثوران بركان هونجا في عام 2022».

وأضافت: «إنَّ معظم البراكين المغمورة بالماء قد خُطِطَت رسومها بصورة سيئة، إذ قد أطلقوا اسم “نقطة رئيسية عمياء” على التأثيرات الحادثة تحت الماء والناتجة عن براكين المياه الضحلة القريبة من الجزر المأهولة بالسكان، وذلك في عملية تقييم المخاطر والتأهب لها».

تظهر تحليلاتهم وجود 6 كيلومترات مكعبة على الأقل من قاع البحر مفقودة من داخل كالديرا -أي حوالي 20 ضعف الحجم البركاني لثوران جبل سانت هيلين الحادث عام 1980- مضافًا إليها أيضًا 3.5 كم مكعب من المواد التي فُجِرَت من المناطق المغمورة لبركان هونغا.

ومن أجل وضع الأمور في نصابها الصحيح، قدَّرت الدراسات السابقة لثوران بركان هونغا تونغا أن 1.9 كم مكعب من المواد -أي حوالي 2.900 مليون طن- قد أُطلِقَت إلى الغلاف الجوي.

وهكذا تُرِكَ ما يقرب من أربعة أخماس المواد المقذوفة في المحيط؛ وهي المواد التي تُضخ بسرعة كبيرة في شكل دفقات تجوب المسارات على عمق 30 مترًا في قاع البحر ثم تراكمت حتى وصل سمكها إلى 22 مترًا في بعض الأماكن.

وضَّحت لنا مقاطع الفيديو أن مساحة شاسعة من قاع البحر بالقرب من كالديرا كانت خالية من وجود الحياة البحرية، وربما اختنقت بفعل الرماد بعد مرور ثلاثة أشهر من ثوران البركان.

اُكتِشفَت بعض ملاجئ الحياة البرية على الجبال البحرية القريبة حيث كانت التضاريس تحافظ على الحيوانات من الهجوم الخارجي. ومن المحتمل أن هذه الملاجئ تساعد في عملية استعادة الأوساط البحرية، بالرغم من توقع الباحثين تباطؤ هذه الاستعادة.

لقد عُثِر على رماد بركاني ذي درجة عالية من النعومة التي تفسد عمود الماء على عمق 200 متر حتى مسافة 20 كيلومترًا من كالديرا. وفي حال استمرار وجود هذه الأعمدة، فسوف تؤثر بطريقة غير معروفة حتى الآن في الأمن الغذائي للجزر في المحيط الهادئ.

تقول سيبروك: «إن الرصد المستقبلي للبركان نفسه وقاع البحر والموائل المحيطة به مسألة ضرورية من أجل تحديد قوة مرونة الأنظمة البشرية والطبيعية للانفجارات البحرية الكبرى واستعادتها».

وتستطرد قائلة: «سيساعد ذلك أيضًا على نطاق أوسع في تقييم المخاطر التي تنتج عن العديد من البراكين المغمورة المماثلة الموجودة في جميع أنحاء العالم».

في عام 2012، كان العلماء على وشك أن يفوتوا أكبر انفجار بركاني في أعماق المحيطات في التاريخ المسجل، إذ اندلع الانفجار من جبل هافر البحري الذي لم يكن معروفًا من قبل في جزر كرماديك التي تشكل قوسًا شمال نيوزيلندا باتجاه تونغا.

يوجد في تلك المنطقة نحو 100000 بركان مجهول تحت سطح البحر.

اقرأ أيضًا:

كيف أثر انفجار بركان تونغا في طبقة الأوزون؟

تداعيات انفجار بركان تونغا وتأثيرها في تسارع الاحتباس الحراري

ترجمة: ماريان رأفت الملاح

تدقيق: حُسام الدِّين طَلعَت

المصدر