إبان الحرب العالمية الثانية، حين احتفل الحلفاء بيوم نصرهم بأوروبا في 8 مايو 1945، حذّر القائد البريطاني برنارد لو مونتغمري قواته قائلًا: «لقد ربحنا الحرب الألمانية، دعونا الآن نربح السلام».

قبل أشهر من استسلام ألمانيا غير المشروط في الحرب العالمية الثانية، التقى «الثلاثة الكبار» من جانب الحلفاء: الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفييتي، في مؤتمر يالطا لمناقشة مستقبل ألمانيا، وكانوا متفقين على تجنب ما جرى بعد الحرب العالمية الأولى حين زاد الانهيار الاقتصادي في ألمانيا من الاستياء القومي هناك، فساهم في صعود اليمينيين المتطرفين ممثلين في الحزب النازي.

كان الوضع في ألمانيا -بعد الحرب العالمية الثانية- مريعًا، إذ ترك قصف الحلفاء الذي محا مدنًا برمّتها ملايين الألمان مشردين بلا مأوى، إضافة إلى ملايين آخرين من اللاجئين الألمان الذين كانوا -من قبل- يسكنون بولندا وشرق بروسيا قبل أن يطردهم الاتحاد السوفييتي.

كانت الفوضى تضرب الاقتصاد الألماني والحكومة الألمانية معًا، ما قاد الحلفاء إلى قرارهم بضرورة احتلال ألمانيا بعد انتهاء الحرب ليضمنوا الانتقال السلمي للسلطة إلى حكومة تسيطر على البلاد بعد سقوط النازيين، لكنهم لم يعرفوا أن ترتيبهم المؤقت هذا، القاضي بجعل ألمانيا أقسامًا أربعة تسيطر على كل منها قوة مختلفة من الحلفاء، سيؤدي إلى أن يكون التقسيم واقعًا سياسيًا.

يقول المؤرخ في مركز التاريخ العسكري التابع للجيش الأمريكي «توماس بوغارت»: «مر الوقت، وأزالت الحرب الباردة الثقة بين الاتحاد السوفييتي والحلفاء الغربيين تدريجيًا، وكان هذا سبب تحول المناطق المُحتلة الأربعة إلى أُمتين ألمانيتين مختلفتين».

أربعة حلفاء، وأربع مناطق احتلال

التقى الثلاثة الكبار مجددًا في يوليو 1945 في مؤتمر بوتسدام، وكانوا قد اتفقوا في يالطا على هيكل خطة عامة تضمن نزع سلاح ألمانيا ودمقرطتها وتطهيرها من النازية، ولما انتهت الحرب رسميًا حان وقت تنفيذ تفاصيل العملية التي تتضمن احتلال الحلفاء لألمانيا.

قرر المجتمعون بمؤتمر بوتسدام تقسيم ألمانيا إلى أربعة مناطق احتلال مختلفة، تتولى احتلال كل منها قوة من قوى الحلفاء -متضمنةً فرنسا- بدلًا من اتباع ما فعلوه مع النمسا بعد الحرب حين تعاون الحلفاء معًا في إدارة البلاد ومراقبتها.

تولى البريطانيون مسؤولية احتلال ربع ألمانيا الشمالي الغربي، وكان الفرنسيون مسؤولين عن الربع الجنوبي الغربي، ونال الأمريكيون الربع الجنوبي الشرقي، بينما تولى السوفييت مسؤولية احتلال الربع الشمالي الشرقي. لما كانوا قد استولوا بالفعل على معظم ألمانيا الشرقية، فقد وقعت العاصمة برلين -بذلك- في منطقة الاحتلال السوفييتي.

قُسمت برلين ذاتها إلى أربعة أرباع، تراقب كل منها قوة من القوى الأربعة المنتصرة في الحرب العالمية الثانية: بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، وكانت منطقة كاملة محاطة بالاحتلال السوفييتي.

يقول بوغارت، مؤلف كتاب الجيوش السرية: الاستخبارات الأمريكية في ألمانيا، 1944-1949: «كانت فكرة مؤتمر بوتسدام أن تتولى سلطة مركزية تُسمى مجلس إشراف الحلفاء إصدار التعليمات المشتركة التي يتولى الحلفاء، كل في منطقته، مهمة تنفيذها. لكن الشيطان يكمن في التفاصيل، كلما طالت مدة الاحتلال، اتضح أن هذه الفكرة غير قابلة للتطبيق».

التوتر بين السوفييت وسائر الحلفاء

منذ البداية، أدار السوفييت منطقتهم بطريقة مختلفة عن سائر الحلفاء، كتب بوغارت: «عانى الجيش والمدنيون السوفييت كثيرًا على أيدي النازيين إبان الحرب العالمية الثانية، وعند تنفيذ التعليمات المشتركة بخصوص التطهير من النازية -مثلًا- لم يعتقل السوفييت المسؤولين النازيين وحسب، بل اعتبروا جميع كبار ملاك الأراضي الألمان نازيين، فصادروا أراضيهم».

كذلك كان الأمر فيما يتعلق بالتعليمات المشتركة بخصوص إجراء انتخابات ديمقراطية حرة، إذ سمح السوفييت -ظاهريًا- بتشكيل الأحزاب السياسية المستقلة في منطقتهم، لكنهم سرعان ما أجبروها كلها على الاندماج تحت مظلة «تحالف» شيوعي تسيطر عليه موسكو، وقد انتقد الحلفاء الغربيون هذه الخطوة بشدة.

حدث الصدع الأكبر في العلاقة بين الاتحاد السوفييتي وسائر الحلفاء بشأن تعويضات الحرب العالمية الثانية. أحد أسباب انهيار الاقتصاد الألماني بعد الحرب العالمية الأولى كان اضطرار ألمانيا لدفع تعويضات بالمليارات وفقًا لمعاهدة فرساي. أراد البريطانيون والفرنسيون والأمريكيون تجنب الوقوع في الخطأ ذاته بعد الحرب العالمية الثانية، في حين أراد الاتحاد السوفييتي الحصول على التعويضات، إذ تضرر اقتصاده بشدة بسبب الحرب.

توصلت الأطراف إلى اتفاق يقضي بمبادلة الاتحاد السوفييتي الطعام المزروع في المنطقة الواقعة تحت احتلاله بالأموال والبضائع المنتجة في المصانع الألمانية الواقعة في مناطق الاحتلال الغربية، لكن حين فشل الاتحاد السوفييتي في الاستمرار بإرسال شحنات الطعام، توقف الحلفاء الغربيون عن دفع التعويضات.

بحلول سنة 1946، تصاعد التوتر حين ساعدت القوات المسلحة السوفييتية في تأسيس أنظمة شيوعية في رومانيا وبلغاريا ويوغوسلافيا وألبانيا. وفي خطاب شهير، وصف رئيس الوزراء البريطاني «تشرشل» تهديد الاتحاد السوفييتي بأنه «ستار حديدي» يمتد عبر أوروبا، معلنًا بداية الحرب الباردة، وتضاءلت فرص التعاون بين الغرب والاتحاد السوفييتي.

حصار برلين

قررت بريطانيا وأمريكا -عام 1947- دمج منطقتيهما المحتلتين لدعم تعاون اقتصادي أكبر بين المنطقتين الألمانيتين، وأُطلق على المنطقة الكبيرة الجديدة اسم «بيزون» أو «بيزونيا»، في إشارة إلى المنطقتين اللتين كونتا حدودها (معنى الاسم: المنطقتان).

ثم خطا الحلفاء الغربيون خطوة أخرى برفع قيمة المساعدات الاقتصادية المقدمة إلى بيزونيا والمنطقة الفرنسية، وفقًا لخطة مارشال. واستبدل الغربيون عملة ألمانية جديدة مستقرة هي المارك الألماني بالعملة القديمة «الرايخ مارك» التي فتك بها التضخم، كل ذلك دون موافقة السوفييت.

بلغ التوتر ذروته حين حاول الغربيون نشر العملة الجديدة في برلين، فقاطع السوفييت مجلس إشراف الحلفاء، وحين لم يخضع الغرب لمطالبهم، أمر ستالين بفرض حصار شامل على برلين الواقعة داخل منطقة النفوذ السوفييتي بعمق 150 كيلومترًا.

كتب بوغارت: «كانت برلين مثل جزيرة في المنطقة السوفييتية، وقد حاول ستالين التضييق على الحلفاء الغربيين في أضعف أماكنهم، فقطع الطرق الموصلة إلى برلين الغربية، ومنع السيارات والقطارات والسفن، لكن ليس الطائرات».

الجسر الجوي إلى برلين

رد الحلفاء الغربيون على الحصار بجسر برلين الجوي، وهو حملة جوية استمرت أشهرًا عديدة لنقل الأغذية والوقود إلى برلين الغربية، استمر حتى انتهى الحصار السوفييتي عام 1949. في العام ذاته اندمجت منطقة النفوذ الفرنسي مع بيزونيا فنشأت جمهورية ألمانيا الاتحادية أو ما عُرف بألمانيا الغربية. رد الاتحاد السوفييتي بتأسيس جمهورية ألمانيا الديمقراطية، وهي دولة شيوعية عُرفت باسم ألمانيا الشرقية.

عام 1952 بدأت ألمانيا الشرقية بمراقبة حدودها الغربية لوقف هجرة المهندسين والعلماء والأطباء إلى ألمانيا الغربية، ومن الغريب أنها لم تسيطر على الحدود مع برلين بصرامة. كتب بوغارت: «استمر وجود المعبر 8 سنوات، كان من السهل على أي شخص ترك ألمانيا الشرقية، فقط عليه أن يركب قطار الأنفاق من برلين الشرقية ببساطة إلى برلين الغربية».

لكن في ليلة 13 أغسطس 1961، نصب جنود ألمانيا الشرقية أميالًا من الأسلاك الشائكة عبر برلين، تطورت لاحقًا إلى جدار برلين الشهير، فأُغلقت الحدود تمامًا مع ألمانيا الغربية مدة 28 سنة.

اقرأ أيضًا:

أوتو فون بسمارك.. موحد ألمانيا

اختراعات من الحرب العالمية الثانية غيرت العالم

ترجمة: الحسين الطاهر

تدقيق: أكرم محيي الدين

المصدر