يعد محرك الالتواء الخاص بالمركبة في أفلام حرب النجوم أحد تقنيات الخيال العلمي التي تمتلك أساسًا علميًا، مثل الانتقال الآني والسفر عبر الزمن التي لم نصل إليها بعد. على الرغم من ذلك، يعمل العلماء على تطوير محرك مركبة فضائية للسفر بين النجوم مثل محرك تلك المركبة الذي يعمل بالمادة المضادة.

من غير المرجح وجود محرك يولِّد سرعاتٍ تفوق سرعة الضوء؛ إذ تمنعنا قوانين الفيزياء من فعل ذلك، لكننا سنتجاوز السرعات التي وصلنا إليها بطرائق الدفع الحالية.

سيأخذنا محرك المادة والمادة المضادة إلى ما وراء نظامنا الشمسي وسيسمح لنا بالاقتراب من النجوم خلال جزءٍ صغيرٍ من الوقت الذي ستستغرقه مركبة فضائية يعمل محركها بالهيدروجين السائل المستخدم حاليًا في المكوكات الفضائية.

يشبه الأمر قيادة سيارة سباق (إندي)، وسيارة فورد بينتو طراز 1971؛ إذ ستصل سيارة بينتو إلى خط النهاية لكنها ستستغرق عشرة أضعاف الزمن الذي استغرقته سيارة السباق (إندي).

دعونا نلقي نظرة على المستقبل لبضعة عقود في مجال السفر في الفضاء لنلتفت إلى مركبة فضائية تعتمد على المادة المضادة ونكتشف ماهية المادة المضادة تحديدًا، وكيف يمكننا استخدامهما في نظام دفع متقدم.

ما المادة المضادة؟

إنه ليس سؤالًا خادعًا، فالمادة المضادة هي تمامًا ما قد نعتقد أن تكون، معاكسة للمادة الطبيعية، التي تكوّن جزءًا كبيرًا من كوننا. في مرحلةٍ ما، عد العلماء وجود المادة المضادة في الكون مجرد نظرية، وساعدنا الفيزيائي البريطاني بول ديراك على تغيير فهمنا حيال المادة المضادة.

في عام 1928، راجع بول ديراك معادلة آينشتاين الشهيرة E = mc².

وقال إن آينشتاين لم يأخذ بحسبانه أن الكتلة في المعادلة قد تحمل طاقةً سالبةً أو موجبة. فقد سمحت معادلة ديراك (mc²- or + = E) بوجود جسيماتٍ مضادة في كوننا. ومنذ ذلك الحين أثبت العلماء وجود عدة جسيماتٍ مضادة.

جسيمات المادة المضادة عمليًا:

يمكن وصف الجسيمات المضادة بأنها صورة معاكسة حقيقية للمادة الطبيعية؛ إذ يمتلك كل جسيمٍ مضاد نفس كتلة نظيره من المادة الطبيعية ولكن بشحنات معكوسة.

فيما يأتي بعض الأمثلة على بعض المواد المضادة المكتشفة في القرن العشرين:

البوزيترون: وهي إلكترونات موجبة الشحنة، اكتشفها كارل أندرسون في عام 1932، وقد كانت الدليل الأول على وجود المادة المضادة.

مضاد البروتون: وهو بروتون سالب الشحنة بدلًا عن البروتون موجب الشحنة المعتاد. أنتجها باحثون في مختبر بيركلي بيفاترون في عام 1955.

مضاد الذرة: بعد اقتران البوزيترونات والبروتونات المضادة، أنتج علماء في مختبر سيرن التابع للمنظمة الأوروبية للأبحاث النووية أول ذرةٍ مضادة، إضافة إلى ذلك أُنتِجت تسع ذرات هيدروجين مضادة دامت كلٌّ منها 40 نانو ثانية فقط. وبدءًا من عام 1998، طوّر باحثوا سيرن إنتاج ذرات الهيدروجين المضادة لتصل إلى 2000 ذرة في الساعة.

عندما تتفاعل المادة المضادة مع المادة العادية، تتصادم هذه الجسيمات المتساوية والمتضادة لتنتج انفجارًا يطلق إشعاعًا نقيًا؛ إذ ينتقل خارج نقطة الانفجار بسرعة الضوء. تُدمر الجسيمات التي أنشأت الانفجار تاركةً وراءها جسيمات أخرى دون ذرية.

يحدث الانفجار عند اصطدام المادة والمادة المضادة ببعضهما؛ إذ تتحول على إثر ذلك كامل الكتلة إلى طاقة. يعتقد العلماء أن هذه الطاقة أقوى بكثير من أيّ طاقةٍ يمكن توليدها بطرائق دفعٍ أُخرى.

المادة المضادة في الكون:

تعد أشعة غاما والأشعة الكونية جسيمات وإشعاعات عالية الطاقة تنشأ من مصادر متعددة في الكون، مثل المستعرات العُظمى (السوبرنوفا)، والثقوب السوداء، وحتى الانفجار العظيم نفسه؛ إذ يعتقد العلماء أن المادة المضادة يجب أن تكون موجودة بكميات مماثلة للمادة العادية بسبب الانفجار العظيم، ولكنها نادرًا ما تُلاحَظ في كوننا.

دور كاشفات الجسيمات:

يُعد كاشف الجسيمات أداة أساسية في مجال فيزياء الجسيمات؛ إذ يتيح للعلماء التعرف على الجسيمات دون الذرية ودراستها، بما في ذلك تلك المكونة من المادة المضادة في أثناء تفاعلها مع المادة. فبالتقاط تفاعلات الجسيمات وتحليلها، تساعد هذه الأجهزة العلماء على فهم الخصائص الأساسية للجسيمات واستقصاء أصول الكون.

لماذا لا يوجد محرك تفاعل المادة والمادة المضادة؟

تكمن المشكلة في تطوير الدفع من خلال الجسيمات المضادة في نقص الجسيمات المضادة الموجودة في الكون. إذا كانت هناك كميات متساوية من المادة والمادة المضادة، فمن المحتمل أننا سنرى هذه التفاعلات من حولنا؛ إذ إنه نظرًا لعدم وجود الجسيمات المضادة من حولنا، فإننا لا نرى الضوء الناتج عن تصادمها مع المادة.

قد يكون عدد الجسيمات يفوق عدد الجسيمات المضادة في أثناء الانفجار العظيم. وبالعودة على ما سبق، فإن تصادم الجسيمات والجسيمات المضادة يؤدي إلى تدميرهما. نظرًا لأنه قد يكون هناك مزيد من الجسيمات في الكون في البداية، فإن تلك الجسيمات المضادة هي كل ما تبقى.

قد لا يكون هناك جسيمات مضادة موجودة بصورة طبيعية في كوننا اليوم. على الرغم من ذلك، فقد اكتشف العلماء إمكانية وجود رواسب محتملة للجسيمات المضادة بالقرب من مركز المجرة في عام 1977. إذا كان ذلك موجودًا فهذا يعني وجود الجسيمات المضادة بصورة طبيعية، وبالتالي لن يكون هناك حاجة لإنتاج الجسيمات المضادة بعد الآن.

حاليًا، علينا أن ننتج الجسيمات المضادة بأنفسنا. لحسن الحظ، هناك تقنية متاحة لإنتاج الجسيمات المضادة باستخدام معمل تصادم الجسيمات عالي الطاقة، والمعروف أيضًا بـ (مُحَطِّم الذرات).

يتكون مُحَطِّم الذرات كما هو الحال في سيرن، من أنفاق كبيرة مبطنة بمغناطيسات فائقة القوة تدور حولها لدفع الذرات بسرعات تقترب من سرعة الضوء. فعندما تمر الذرة من خلال هذا المسرع، تصطدم بهدف ما، ما يؤدي إلى إنتاج جسيمات. بعض هذه الجسيمات هي جسيمات مضادة يفصلها الحقل المغناطيسي.

تنتج المسرعات عالية الطاقة فقط بيكوجرامًا واحدًا أو اثنين من الجسيمات المضادة كل عام. والبيكوغرام هو جزء من تريليون من الغرام. جميع الجسيمات المضادة التي تُنتج في معمل سيرن خلال عام واحد ستكون كافية لإضاءة مصباح كهربائي بقوة 100 واط لمدة ثلاث ثوانٍ فقط؛ إذ سيستغرق السفر إلى الوجهات بين النجوم أطنانًا من مضادات البروتون.

محرك المادة والمادة المضادة:

قد تكون ناسا على بُعد عقود قليلة فقط من تطوير مركبة فضائية تستخدم الجسيمات المضادة، ما سيقلل من تكاليف الوقود إلى جزء صغير من تكاليف الوقود الحالية. ففي أكتوبر من عام 2000، أعلن علماء ناسا عن تصاميم مبكرة لمحرك يستخدم الجسيمات المضادة قد يولد دفعًا هائلًا باستخدام كميات صغيرة فقط من الوقود المضاد.

وفقًا لتقرير نُشر في العدد الخاص بشهر أكتوبر في مجلة (Journal of Propulsion and Power)، يُفترض أن تكون الكمية المطلوبة من الجسيمات المضادة لتشغيل المحرك لرحلة استغرقت عامًا واحدًا إلى المريخ أقل من جزء من مليون من الغرام.

سيكون الدفع بالمادة والجسيمات المضادة أكثر فاعلية من أي وسيلة دفع طُوِّرَت على الإطلاق، لأن 100% من كتلة المادة والمادة المضادة تتحول إلى طاقة عند تفاعلهما؛ إذ إنه حين تتصادم المادة والمادة المضادة، فإن الطاقة المنبعثة من اندماجهما تكون أكبر بنحو 10 مليار مرة من الطاقة التي تُطلِقها الطاقة الكيميائية، مثل احتراق الهيدروجين والأكسجين، وهو نوع الوقود الذي يستخدمه مكوك الفضاء.

إن تفاعلات المادة والمادة المضادة تكون قوية بـ 1000 مرة أكثر من التفاعل النووي بالانشطار المُنتَج في محطات الطاقة النووية وأقوى بـ 300 مرة من طاقة الاندماج النووي. لذا تمتلك محركات المادة والمادة المضادة القدرة على أخذنا إلى مسافات أبعد بكميات أقل من الوقود.

تكمن المشكلة في خلق الجسيمات المضادة وتخزينها، إذ توجد ثلاثة مكونات رئيسية لمحرك المادة والجسيمات المضادة:

حلقات التخزين المغناطيسية:

يجب أن تبقى الجسيمات المضادة منفصلة عن المادة العادية، لذلك يمكن استخدام حلقات التخزين ذات الحقول المغناطيسية لنقل الجسيمات المضادة حول الحلقة حتى تكون متاحة لإنتاج الطاقة عند الحاجة.

نظام التغذية:

عندما تحتاج المركبة الفضائية إلى مزيدٍ من الطاقة، ستُطلِق الجسيمات المضادة لتتصادم مع هدف من المادة، ما يفرج عن الطاقة.

فوهة صاروخية بنظام مغناطيسي:

على غرار مُسَرِّع الجسيمات على الأرض، ستوجه فوهة مغناطيسية طويلة الطاقة الناتجة عن المادة والمادة المضادة من خلال فوهة الصاروخ.

سيكون ما يقرب 10 غرامات من الجسيمات المضادة كافية كوقود لإرسال مركبة فضائية مأهولة إلى المريخ في شهر واحد. اليوم، يستغرق وصول مركبة فضائية غير مأهولة إلى المريخ أقل بقليل من عام واحد. ففي عام 1996، استغرق مسبار المريخ غلوبال سيرفيور 11 شهرًا للوصول إلى المريخ.

يعتقد العلماء أن سرعة المركبات الفضائية التي تعتمد على المادة والمادة المضادة ستُمكن الإنسان من الوصول إلى أماكن لم يسبق له الوصول إليها في الفضاء؛ إذ قد يكون باستطاعتنا إجراء رحلات إلى كوكب المشتري وحتى خارج الحدود الشمسية، الحدود التي تنتهي عندها إشعاعات الشمس.

اقرأ أيضًا:

تدفق نسبة عالية من المادة المضادة مصدرها نجم نابض

هل توجد جاذبية بين المادة والمادة المضادة؟

ترجمة: محمد فواز السيد

تدقيق: ريمي سليمان

المصدر