في خطوة مهمة لأولِ مرة نَحو تحقيق طاقة الاندماج النووي لتكون حقيقةً عملية، إذ رُفِعت درجة حرارة الأيونات داخل مفاعل اندماجٍ صغير بالكاد يَبلغ عَرضه مترًا واحدًا إلى درجة حرارةٍ كبيرة بَلغت 100 مليون درجة مئوية.

حَقق عدد من الباحثين في شركة توكاماك للطاقة في المملكة المتحدة ومختبر برينستون وأُوك ريدج الوطني في الولايات المتحدة، وأيضًا معهد أبحاث الطاقة والمناخ في ألمانيا، رقمًا قياسيًا على جهاز توكاماك في شكلٍ كروي، يُعد التوكاماك أحد أنواع أجهزة الاندماج النووي التي طُوِّرت لإنتاج طاقة الاندماج الحراري المُتحكَّم به من طريق استخدام المجال المغناطيسي لحصر البلازما المُتكونة نتيجة دَمج أنوية الذرات الخفيفة داخله في شكلٍ دائري.

حُصرَت البلازما في دوامة داخل الجهاز بشكلٍ يشبه تفاحة محفورة وذلك على عكس المَسارات الأكثر دائرية للوقود الساخن التي تكون على شكل كعك الدونات في مفاعلات أكبر، وذلك يهدف إلى تحسين الاستقرار والتطبيق العملي لتوليد الطاقة.

يعمل الاندماج النووي على محاكاة العمليات الأساسية التي تحدُث داخل الشمس والنجوم المشابهة لها، إذ يَستخلِص الطاقة من اندماج العناصر الأصغر وتندمج داخل العناصر الأكبر، فإذا كان بالإمكان القيام بذلك بصورة صحيحة وهذا أمرٌ كبير جدًا، فقد يعني ذلك إيجاد مصدرٍ للطاقة لا يَنْضَب تقريبًا، وإن كان هذا المصدر قد لا يزال يحمل بعض المخاطر.

تمتلك النجوم في الفضاء قدرًا هائلًا من الجاذبية تَعمل على دمج العناصر فيها وإطلاق الطاقة، لذلك فإننا مضطرون إلى الاعتماد على الحرارة، وبالأخص درجات عالية من الحرارة في الواقع، تُعادل درجات الحرارة في قلب الشمس عدة مرات.

إن تَفاعل أو خَلطِ المكونات الذرية أو الأيونات، على درجة حرارة تُعادل 100 مليون درجة مئوية على الأقل، أو 8.6 كيلو إلكترون فولت بمقياس الطاقة، هو أمر بالغ الأهمية لتحقيق كمية الضغط الصحيحة المطلوبة للاندماج.

أعلن الباحثون: «لم نصل إلى درجات حرارة تزيد عن 5 كيلو إلكترون فولت عند تسخين الأيونات في أي جهاز توكاماك كروي من قبل، إلا عند استخدام أجهزة أكبر بكثير مع طاقة تسخين بلازما أكبر بكثير».

لذلك، استُخدِم جهاز توكاماك كروي يسمى ST40 في هذه الحالة، مع وَضع بعض الآلات الأخرى بجانبه اللازمة لعملية التشغيل الآمن، فإن مفاعل الإندماج النووي هذا يبلغ عرضه 0.8 متر فقط، وبالمقارنة بأجهزة التوكاماك الأكبر حجمًا التي يتجاوز قُطرها عدة أمتار، فإن هذا المفاعل يبدو جزءًا صغيرًا بالنسبة لهذه الأجهزة.

وبالمقارنة بمفاعلات الاندماج النووي الأكبر حجمًا، فإن تَكلُفة صناعة هذه الأجهزة الأصغر زهيدة، وقد تكون أكثر كفاءةً واستقرارًا أيضًا، وتحتوي على مزايا عديدة لتكون هذه التكنولوجيا قابلة للتطبيق تجاريًا.

عمل الباحثون العديد من التحسينات والتحديثات للوصول إلى درجة الحرارة المطلوبة لعملية الاندماج النووي، بما في ذلك استخدام جهاز التوكاماك الكروي نفسه، وطريقة تحضير البلازما من ناحية كيفية تسخينها وقياس كثافتها الإلكترونية.

بالاستعانة ببعض التقنيات من تجارب سوبرشوت التي أُجريت في تسعينيات القرن العشرين في مُفاعل الاندماج توكاماك التجريبي، التي تعتمد على تسخين البلازما داخل المفاعل لتحقيق الاندماج النووي، وهو أكبر بكثير من مفاعل توكاماك الجديد ST40 الذي في الأساس يساهم في إنتاج الكثير من الحرارة اللازمة التي تُطبق لعملية الاندماج في فترة زمنية قصيرة جدًا.

أضاف العلماء أيضًا طريقة جديدة للتحسينات المُطبقة، وهي تسخين الأيونات موجبة الشحنة أكثر من الإلكترونات سالبة الشحنة داخل البلازما، في وَضعٍ يعرف باسم وَضْع الأيونات الساخنة، الذي يساعد على زيادة عدد التفاعلات ومعدل الأداء في مُفاعل توكاماك.

قال الباحثون: «حُققت درجات الحرارة هذه باستخدام عدة سيناريوهات أُجريت في وَضْع الأيونات الساخنة، إذ تتجاوز درجة حرارة الأيونات درجة حرارة الإلكترونات، عادة بمعدل درجتين أو أكثر».

في حين أن هذا الحَدث وغيره من الإنجازات المماثلة مثير بالتأكيد، فعملية الاندماج النووي لا تزال في مرحلة الاختبار، ولا زالت تَحمل في طَيَّاتِها عقباتٍ عديدة يجب تَخطيها قبل أن يُعتمد عليها كمصدرٍ عَملي للطاقة.

لذلك بالنظر إلى التحديّات التقنية التي تَنطَوي عليها هذه العملية، لا يَظن الجميع أن إنتاج طاقة الاندماج النووي سيكون ممكنًا في نهاية المطاف.

مِن هذه التحديّات التي سُلط الضوء عليها هي أن مُدة الوصول إلى درجة الحرارة القصوى كانت 150 مللي ثانية فقط، يُعد ذلك إنجازًا جيدًا مَعمليًا، ولكن ليس بالزمن الكافي للمساهمة عمليًا بأي شيء في مَجال شبكات الطاقة.

رغم التحديّات القائمة، فإن كل اكتشافٍ جديدٍ يُقربنا من الغاية الأسمى، وهذا الاكتشاف الجديد أصبحَ ملحوظًا بصورة خاصة، إذ إن مُفاعل التوكاماك الكروي هو أحد أكثر الخيارات الواعدة لخَلقِ تفاعلات الاندماج النووي بطريقة تَجعل الطاقة الضرورية لحدوثها والمعادلات الحسابية الاقتصادية (من ناحية التّكلفة والجهد) تبدو مَنطقيةً للعمل.

أضاف الباحثون: «تُظْهِر هذه النتائج لأول مرة أنه يمكن الحصول على درجات الحرارة العالية للأيونات الناتجة عن عملية اندماج الحَصر المغناطيسي المعروفة تجاريًا، عن طريق مُفاعل توكاماك كروي صغير ذو كفاءةٍ عالية، وهذا يُنَبأُ بتقدمٍ جيد لمحطات توليد الطاقة الاندماجية القائمة على أجهزةِ التوكاماك الكروية ذاتِ الكفاءةِ العالية».

اقرأ أيضًا:

مفاعل اندماج نووي مصغر يصل لدرجة حرارة أعلى من درجة حرارة الشمس

الاندماج النووي

ترجمة: خالد عامر

تدقيق: تسبيح علي

المصدر