يتعجب البعض من قضائنا الكثير من الوقت وإنفاق الكثير من المال على تطوير المركبات الفضائية والتقنيات التي ستأخذنا إلى الفضاء لتساعد على اكتشاف الكواكب البعيدة، في حين أن لدينا هنا على الأرض بالفعل تحديات ملحة ومشاكل بحاجة إلى حل. فنحن ننفق كل عام مليارات الدولارات على تطوير تكنولوجيا الفضاء، وتتجاوز ميزانية ناسا لعام 2020 فقط 20 مليار دولار.

وصف الصورة: تُظهر هذه الصورة وجود أربعة أعاصير مدارية في وقت واحد في نصف الكرة الغربي، التقطها القمر الصناعي الخاص بالطقس GOES-16 في سبتمبر 2019. إن التنبؤ بالطقس هو من الطرق العديدة التي تُحسن بها تكنولوجيا الفضاء حياتنا

ربما لا يدرك بعض الناس أن تطوير تقنيات استكشاف الفضاء يساعدنا بالفعل، ويقدم فوائد هنا على الأرض بطرق عديدة، خاصةً فيما يتعلق بالاتصالات ومراقبة الأرض وتعزيز النمو الاقتصادي. تُعَد تقنيات الفضاء حاسمةً على نحو مدهش في التأثير في الحكومات والصناعة واتخاذ القرارات اليومية.

ومع ظهور المزيد من المشاكل على مستوى الكوكب، مثل أزمة تغير المناخ والأزمات الإنسانية والهجرات الجماعية وغيرها، يأتي السؤال: ما مدى فعالية الاعتماد على تكنولوجيا الفضاء للحفاظ على أرضنا والحياة عليها؟

مكافحة تغير المناخ

تؤثر أزمة تغير المناخ في البيئة حول العالم، ما يسبب العواصف الشديدة، وأنماط الطقس التي تشكل تهديدًا متزايدًا باستمرار لاستدامة الحياة على الأرض. إن للأقمار الصناعية تأثيرًا أكبر بكثير من مجرد توقع الطقس.

كيف تساهم تكنولوجيا الفضاء في مواجهة التحديات على الأرض - تطوير المركبات الفضائية والتقنيات التي ستأخذنا إلى الفضاء - تكنولوجيا الأقمار الصناعية

تنقذ الأنظمة الفضائية آلاف الأرواح من الطقس القاسي كل عام، فمثلًا قبل تكنولوجيا الأقمار الصناعية، قتلت الكوارث الكبرى مثل إعصار سنة 1900 في جالفستون، تكساس نحو 6000 – 12000 شخص، لعدم وجود أنظمة إنذار مبكر تُمكننا من تلافي الكارثة. وكشفت بيانات الأقمار الصناعية التابعة لوكالة ناسا عن الثقب الهائل في طبقة الأوزون فوق القطب الجنوبي. ومنذ ما يزيد قليلًا على عقد من الزمان، لم نكن نستخدم تطبيقات الطقس أو تطبيقات الخرائط عبر الإنترنت للوصول إلى وجهتنا بفعالية.

تراقب الأقمار الصناعية المتخصصة في رصد الأرض غازات الاحتباس الحراري وغيرها من مؤشرات المناخ، وتسمح لنا أيضًا بتحليل صحة النظام البيئي للأرض بفعالية. مثلًا أدت التقنيات المشتقة من الاستعمال الفضائي، مثل تقنية تحديد المواقع والخلايا الشمسية شبه الموصلة، إلى خفض انبعاثات الغازات الدفيئة كثيرًا. يقلل نظام تحديد المواقع العالمي من استخدام الوقود في البحر والبر والجو بنسبة 15-21% وهذا يفوق ما توفره المحركات الأكثر كفاءةً أو تطوير أنواع الوقود.

أدت الطاقة الشمسية التي استخدمتها وكالة ناسا لأول مرة في مشاريع مثل محطة الفضاء الدولية إلى تطور هائل في أداء الطاقة. تستطيع محطات الطاقة الفضائية المدارية في المستقبل أن ترسل باستمرار طاقةً نظيفةً ليلًا أو نهارًا من طريق الإشعاع المستهدف مهما كانت الظروف الجوية على الأرض. ستكون الطاقة الشمسية التي لا تتأثر بالظروف الجوية أكثر كفاءةً من التكنولوجيا الشمسية الحالية.

إضافةً إلى ذلك، سيؤدي إرسال مولدات الطاقة الشمسية إلى الفضاء إلى تحرير مساحات من الأرض والموارد البيئية من مصفوفات الألواح الضخمة، وتقي مدافن النفايات من نفايات الألواح الشمسية المُهمَلة.

يؤثر تغير المناخ أيضًا في الإنتاج الزراعي وإدارة مصايد الأسماك ومصادر المياه العذبة والغابات. وتسمح لنا الأقمار الصناعية بتتبع الأنشطة الضارة بالبيئة ورصدها وتحديدها، مثل القطع غير المشروع للأشجار والصيد والحرائق والتعدين، فكلما رصدنا هذه الحوادث من كثب استطعنا اتخاذ إجراءات مبكرة وفورية لوقفها. دون هذه الأنظمة لن نستطيع تقييم تغير المناخ ومعالجته بكفاءة.

مواجهة الأزمات الإنسانية

لا يقتصر دور استعمال الملاحظات الفضائية على حماية البيئة من التغير المناخي، بل يشمل أيضًا المساعدة على تحسين قطاعات التجارة والصحة العامة والسلامة الوطنية، فأزمة الغذاء العالمية هي إحدى الأزمات الإنسانية الرئيسية.

يمكن باستخدام صور الأقمار الصناعية تقدير إنتاجية المحاصيل، من طريق رؤية مبكرة لكل جزء من الصورة، ما يسمح للمزارعين بمعرفة موعد ري المحاصيل وتخصيبها وحصادها. إن تصوير الأرض باستخدام نطاقات طيفية خاصة مثل القريبة من الأشعة تحت الحمراء يُمكننا من إنشاء مؤشر نباتي يمثل إنتاجية المحاصيل. وتستطيع الأقمار الصناعية جمع البيانات عن الأراضي الزراعية -التي تشكل 37% من مساحة اليابسة- بدقة.

أيضًا فإن تطبيقات البيانات الضخمة لتكنولوجيا الفضاء مفيدة للدول النامية، الأكثر تعرضًا للكوارث الطبيعية بسبب مواردها المحدودة. ويمتلك مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي منصةً للمعلومات الفضائية لإدارة الكوارث والاستجابة لحالات الطوارئ، تستخدم البيانات الضخمة وتكنولوجيا الأقمار الصناعية للاستجابة للكوارث الطبيعية في إفريقيا. ومع وجود كمية متزايدة من البيانات من تكنولوجيا مراقبة الأرض ووسائل التواصل الاجتماعي وتحديد الموقع الجغرافي الجماعي والأدوات الافتراضية والوصول إلى الإنترنت، قد تساعدنا تلك البيانات على اتخاذ قرارات أفضل في حالات الطوارئ مع الالتزام بأهداف الاستدامة.

الفوائد المستقبلية للأنشطة الفضائية

سنشهد تحولًا كبيرًا في السنوات الخمس إلى العشرين القادمة في تقنيات الفضاء الأكثر تقدمًا، فمن المتوقع أن الأقمار الصناعية ذات الأبراج الضخمة، والنقل دون المداري السريع من نقطة إلى نقطة (التي ستوفر انبعاثات الوقود)، والأقمار الصناعية الخاصة بمنع تأثير الكويكبات (مع أنها ما زالت تقنية وليدة)، جميعها ستترك بصمتها.

تتطور الأقمار ذات الأبراج تطورًا واعدًا. بوسع هذه المجموعات تعزيز الكفاءة والقدرة والسلامة لمجموعة متنوعة من الخدمات الأرضية والمستخدمين التجاريين في قطاعات النقل البحري والطاقة والمصارف والحكومة والاتصالات. من طريق استخدام البيانات الضخمة ستنشئ المجموعات إنترنت كامن فائق السرعة مع زيادة الإنتاجية والتغطية العالمية، التي ستشمل فائدتها المليارات من مستخدمي الإنترنت يوميًا. تهدف سبيس إكس وأمازون وتيليسات وسامسونغ حاليًا إلى تحسين شبكات الأقمار الصناعية الضخمة.

إن تكنولوجيا الفضاء هي جزء لا يتجزأ من تطور مجتمعنا. ففي حين نستكشف الكون سيساعد مستوى الابتكار والاستكشاف المطلوب على معرفة كيفية دمج هذه الأدوات وملاءمتها لتقديم الفائدة لحياتنا هنا على الأرض، ومع أنه ما زال أمامنا رحلة طويلة لتطوير هذه التكنولوجيا، يمكننا استخدامها لتعزيز مجتمعنا وحماية كوكبنا أيضًا.

اقرأ أيضًا:

طبقة الأوزون تتعافى، وتجلب أخبارًا جيدة حول حركة الرياح العالمية

مجموعة من الحلول المقترحة من أجل الحد من التغير المناخي

ترجمة: أسامة ونوس

تدقيق: رزوق النجار

مراجعة: أكرم محيي الدين

المصدر