ابتكار روبوت جديد يستطيع التغلب على البشر في كرة الطاولة!
تُعد رياضة تنس الطاولة من أكثر الرياضات التي تتطلب مهارة عالية على مستوى العالم، وقد تمكن المهندسون الآن من ابتكار روبوت قادر على التفوق على بعض أفضل اللاعبين.
يُدعى هذا الروبوت آيس، وقد فاز بثلاث مباريات من أصل خمس ضد لاعبين هواة من النخبة يمارسون هذه الرياضة بمعدل 20 ساعة أسبوعيًا. يُمثل هذا أحد أقوى العروض العملية حتى الآن لقدرة الروبوت على الوصول إلى مستوى عال من الأداء في رياضة سريعة وتفاعلية.
يُعد هذا إنجازًا كبيرًا في مجال الروبوتات، فهو نظام يجمع بين الاستشعار عالي السرعة، واتخاذ القرارات بالذكاء الاصطناعي، والتحكم الروبوتي، ليُنافس اللاعبين البشريين في ظروف واقعية، ويُظهر ردود فعل سريعة للغاية في الوقت الفعلي.
يقول بيتر دور، عالم الروبوتات ومدير قسم الذكاء الاصطناعي في سوني بزيورخ، قائد مشروع آيس: أظهر البحث أن الروبوت المستقل قادر بالفعل على الفوز في رياضة تنافسية، مُضاهيًا أو متجاوزًا سرعة رد فعل البشر وقدرتهم على اتخاذ القرارات في بيئة واقعية. تُعد لعبة تنس الطاولة لعبة بالغة التعقيد تتطلب اتخاذ قرارات سريعة في أجزاء من الثانية، فضلًا عن السرعة والقوة. يُبرز هذا الإنجاز البحثي إمكانات وكلاء الذكاء الاصطناعي الماديين في أداء مهام تفاعلية في الوقت الفعلي، ويمثل خطوة هامة نحو ابتكار روبوتات ذات تطبيقات أوسع في التفاعلات البشرية السريعة والدقيقة والفورية.
أثبتت العديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي قدرة التعلم الآلي على النجاح في التحديات الافتراضية، بدءًا من لعبة بونغ البسيطة -لعبة الفيديو الشهيرة من أتاري التي تستخدم مضربين- وصولًا إلى ألعاب إستراتيجية أعقد مثل الشطرنج، وغو، وستار كرافت 2.
أما الألعاب الواقعية، فتُعد أصعب بكثير باستخدام الأنظمة الاصطناعية، إذ يجب على الروبوت استشعار التغيرات غير المتوقعة في البيئة الخارجية، وتفسير دلالاتها، وتحديد كيفية التفاعل معها، ثم تنفيذ الإجراء اللازم. كل ذلك في لمح البصر.
يعتمد نظام آيس على عمل سابق لفريق سوني للذكاء الاصطناعي، وهو برنامج غران توريزمو صوفي الذي يتفوق على اللاعبين البشريين في لعبة الفيديو غران توريزمو. مع ذلك يتميز آيس بتعقيد أكبر بكثير.
يتكون تصميمه من ثلاثة أجزاء رئيسية، أولها نظام الإدراك الذي يسمح له برؤية الكرة وتتبعها، وأهم من ذلك أنه قادر على رصد دوران الكرة الذي يؤثر في ارتدادها ومسارها في الهواء. غالبًا واجهت روبوتات تنس الطاولة السابقة صعوبة في مراعاة الدوران، رغم أهميته في اللعب الحقيقي.
المكون الرئيسي الثاني هو دماغ ذكاء اصطناعي مُدرب بتقنية التعلم العميق المعزز، إذ يُجري سلسلة من التجارب في مباريات افتراضية مُحاكاة ليتعلم بالتجربة والخطأ ما يُجدي نفعًا وما لا يُجدي. هذا يعني أن النظام قادر على اتخاذ القرارات في اللحظة نفسها، بدلًا من الاعتماد على إعدادات مُبرمجة مسبقًا.
أخيرًا جهاز روبوتي فائق السرعة: ذراع روبوتية ثمانية المفاصل، تتميز بمرونة عالية، قادرة على تنفيذ القرارات المتعلقة بمكان وكيفية وضع المضرب بدقة وسرعة.
وضعت شركة سوني للذكاء الاصطناعي روبوت آيس في مواجهة سبعة لاعبين بشريين. مباريات من ثلاث جولات ضد خمسة لاعبين هواة من النخبة، يمارسون اللعبة منذ أكثر من عقد من الزمن ويتدربون بكثافة وانتظام، ومباريات من خمس جولات ضد لاعبين محترفين من الدوري الياباني، مينامي أندو وكاكيرو سوني.
لعب الروبوت 13 مباراة ضد لاعبي النخبة، وفاز في سبع منها، ليحقق بذلك ثلاثة انتصارات في المجمل. لم تكن تقنياته فعالة تمامًا أمام المحترفين: فاز آيس بمباراة واحدة فقط من أصل سبع مباريات، وخسر المباراتين في النهاية، لكن أداءه يتفوق على أداء روبوتات تنس الطاولة السابقة، ليصل إلى مستوى يُضاهي اللاعبين البشريين المحترفين.
أظهر تحليل مباريات آيس أن اكتشاف الدوران قد يكون العامل الحاسم. لم يُحرز الروبوت النقاط بضربه الكرة بقوة أكبر من خصومه البشريين، بل بفضل تحكمه المتقن، إذ نجح في إعادة 75% من الكرات الدوارة عبر نطاق واسع من الدورانات. وفاز بالعديد من النقاط المباشرة في الإرسالات، ونفذ مناورات عديدة أدهشت المراقبين البشريين.
أشار الباحثون في ورقتهم البحثية أنه لاحظ خبير تنس الطاولة واللاعب الأولمبي السابق كينجيرو ناكامورا عند مشاهدته إحدى ضربات آيس: لم يكن أحد آخر ليتمكن من فعل ذلك. لم أكن أعتقد أنه ممكن، لكن حقيقة أنه ممكن، تعني أن هناك احتمالًا أن يتمكن الإنسان من فعله أيضًا.
يشير هذا إلى أن روبوتات مثل آيس تُتيح لنا فرصة تعلم تقنيات ومهارات جديدة لتحسين أدائنا في مجالات مُحددة.
لم يصل الروبوت بعد إلى مستوى الكفاءة في تنس الطاولة الذي أظهرته برامج تعمل في بيئات افتراضية، مثل ألفا غو أو ديب بلو. يُؤكد الباحثون مع ذلك أنه يُحقق تقدمًا كبيرًا في إمكانيات الروبوتات المُستقبلية.
يقول بيتر ستون، كبير علماء الذكاء الاصطناعي في سوني: هذا الإنجاز يتجاوز بكثير مجرد تنس الطاولة. إنه يُمثل لحظة فارقة في أبحاث الذكاء الاصطناعي، إذ يُظهر، ولأول مرة، قدرة نظام الذكاء الاصطناعي على الإدراك والاستدلال والتصرف بفعالية في بيئات واقعية مُعقدة وسريعة التغير تتطلب دقة وسرعة. سيفتح الذكاء الاصطناعي الباب أمام فئة جديدة كليًا من التطبيقات العملية التي كانت في السابق بعيدة المنال فور أن يتمكن من العمل بمستوى الخبير البشري في ظل هذه الظروف.
المصادر:
الكاتب
محمد الشرقاوي
