ابتكار شريحة دماغية أصغر من حبة الأرز لقياس الإشارات العصبية
أعلن فريق بحثي من جامعة كورنيل عن تطوير زرعة دماغية لاسلكية فائقة الصغر تُعرف باسم القطب الضوئي الإلكتروني المجهري اللاسلكي "MOTE"، تتميّز بحجمها الذي لا يتجاوز حبة الأرز، وبقدرتها على نقل الإشارات العصبية بأمان وفعالية دون الحاجة إلى أسلاك.
ونُشرت نتائج البحث مؤخرًا في مجلة ناتشر إليكترونك، لتُشكّل خطوة واعدة نحو تطوير زرعات عصبية دقيقة يمكن استخدامها في مناطق مختلفة من الجسم البشري.
تُعد الزرعات العصبية من أكثر الأدوات الطبية تطورًا في القرن الحادي والعشرين، إذ تتيح مراقبة النشاط العصبي بدقة، وأحيانًا معالجته في أجهزة أخرى، ما يفتح المجال أمام تطبيقات متعددة في علاج الشلل وفقدان الحواس واضطرابات الدماغ.
غير أنّ التقنيات التقليدية تعاني قيودًا ميكانيكية وكهربائية ناجمة عن حجمها الكبير وارتباطها بأسلاك معدنية تؤدي إلى استجابات مناعية وأذية في الأنسجة العصبية.
وفي ظل هذه التحديات، يسعى الباحثون نحو تصغير حجم الزرعات وزيادة استقلاليتها من ناحية الطاقة والاتصال. ويأتي تصميم جهاز "MOTE" بوصفه تجسيدًا عمليًا لهذه الأهداف، إذ يجمع بين الصغر الشديد والاتصال اللا سلكي البصري مع الحفاظ على الدقة العالية في تسجيل الإشارات العصبية.
زرعة دماغية بحجم غير مسبوق:
يبلغ طول الجهاز نحو 300 ميكرونًا، وعرضه نحو 70 ميكرونًا، أي يعادل تقريبًا سماكة شعرة إنسان واحدة.
ويعتمد الجهاز على آلية ترميز الإشارات العصبية ضمن نبضات من الضوء تحت الأحمر، ونقلها بعد ذلك عبر أنسجة الدماغ والعظام إلى جهاز استقبال خارجي دون حدوث أي ضرر.
صنُعت الزرعة من صمام ثنائي موصل أحادي الاتجاه، مكوّن من مركّب أرسنيد الألومنيوم والغاليوم "AlGaAs"، وهو ما يتيح له تحويل الطاقة الضوئية إلى كهرباء لتشغيله ذاتيًا، إضافةً إلى إصدار الضوء لنقل البيانات.
ويُدعَم هذا الصمام بمضخّم منخفض الضوضاء ومُرمِّز بصري يستخدم تقنية تعديل موضع النبضة، وهي التقنية ذاتها المعتمدة في الاتصالات البصرية عبر الأقمار الصناعية.
وقال المهندس الكهربائي أليوشا مولنار، أحد المشاركين في الدراسة: «حسب علمنا، يُعد هذا الجهاز أصغر زرعة عصبية قادرة على قياس النشاط الكهربائي في الدماغ وإرسال البيانات لاسلكيًا».
ومع أن مولنار فكّر مبكرًا في نموذج أولي للجهاز عام 2001، فإن المشروع احتاج إلى أكثر من عقدين قبل أن ينطلق فعليًا.
اختبارات مخبرية وتجارب حية ناجحة:
اختبر الفريق جهاز MOTE أولًا في خلايا مزروعة مختبريًا، قبل الانتقال إلى تجارب على الفئران. وفي التجارب، زُرع الجهاز في القشرة البرميلية من دماغ القوارض، وهي المنطقة المسؤولة عن معالجة الإشارات الحسية القادمة من الشوارب.
وعلى مدار عامٍ كامل، سجّل الجهاز نشاطات عصبية موضعية ونشاطات تشابكية أوسع لدى الفئران النشطة والسليمة على حدٍّ سواء.
إحدى المشكلات الكبرى في معظم الزرعات الدماغية الحالية هي تعطّلها في أثناء خضوع المريض لتصوير بالرنين المغناطيسي، غير أن MOTE مصنوع من مواد تمكّنه من تجاوز هذه المشكلة بالكامل، إضافةً إلى أن قدرته اللاسلكية تُعالج مشكلة متكررة أخرى تواجهها الزرعات التقليدية.
وقال مولنار أيضًا: «أحد دوافع هذا الابتكار هو أن الأقطاب التقليدية والألياف الضوئية قد تُسبّب استثارة في الدماغ، لأن النسيج يتحرك حول الزرعة ما قد يحرض استجابة مناعية. وقد كان هدفنا جعل الجهاز صغيرًا بما يكفي لتقليل هذا الاضطراب، مع الاستمرار في التقاط النشاط الدماغي بسرعة تفوق أنظمة التصوير، دون الحاجة إلى تعديل الخلايا العصبية وراثيًا».
لا تقتصر التطبيقات المحتملة لجهاز MOTE على مراقبة الدماغ فحسب، إذ يعتقد الباحثون أنه قابل للتكيّف مع أنسجة أخرى حساسة مثل الحبل الشوكي، بل ويمكن دمجه أيضًا ضمن صفائح الجمجمة الاصطناعية لمراقبة النشاط العصبي طويل الأمد.
واختتم الباحثون دراستهم بالتأكيد على أن التقنية الجديدة تمثّل أساسًا واعدًا للوصول إلى مجموعة واسعة من الإشارات الفيزيولوجية، باستخدام أجهزة دقيقة غير مرتبطة بأسلاك يمكن زرعها داخل الجسم مدة زمنية طويلة.