اختراع نوع جديد من التشفير لحماية ملفات الفيديو من هجمات الحوسبة الكمومية
طور علماء في مجال علوم الحاسوب إطارًا جديدًا للتشفير يهدف إلى حماية بيانات الفيديو من الهجمات الكمومية المستقبلية، مع إمكانية تشغيله على الأجهزة الحاسوبية التقليدية المتوفرة حاليًا. يؤكد الباحثون أن هذا الابتكار يأتي استجابةً لأحد أبرز التهديدات المتوقعة في مجال الأمن السيبراني، والمتمثل في الحواسيب الكمومية القادرة على كسر أنظمة التشفير المعتمدة اليوم.
في دراسة علمية نُشرت في فبراير عام 2025 ضمن مجلة المعاملات الخاصة بإلكترونيات المستهلك التابعة لمعهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات، أُعلن عنها لاحقًا في بيان صحفي بتاريخ 2 مارس 2026، عرض الباحثون إطارًا تشفيريًا هجينًا صُمم خصيصى لحماية بيانات الفيديو، بما يشمل تسجيلات المراقبة ومكالمات الفيديو، من الهجمات الإلكترونية التقليدية وكذلك الهجمات المستقبلية المدعومة بالحوسبة الكمومية.
تهديد الحوسبة الكمومية للأمن السيبراني
من المتوقع أن تُحدث الحوسبة الكمومية ثورة في العديد من المجالات العلمية، مثل الكيمياء وعلوم المواد المتقدمة، إلا أن هذه التقنية تحمل في الوقت ذاته تحديات كبيرة في مجال الأمن السيبراني. إذ تعتمد معظم أنظمة التشفير الحالية التي تُستخدم لحماية المعاملات البنكية والرسائل الخاصة والمواقع الإلكترونية الآمنة على مسائل رياضية معقدة للغاية، قد تستغرق ملايين أو حتى مليارات السنين لحلها باستخدام أسرع الحواسيب الفائقة التقليدية.
غير أن الحواسيب الكمومية تمتلك قدرة فريدة على معالجة عدد هائل من الاحتمالات بشكل متزامن، ما يمكنها من حل هذه المسائل خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، قد لا تتجاوز ساعات أو أيام. هذا يعني أن البيانات التي تُعد اليوم آمنة قد تصبح عرضة للكشف في المستقبل القريب.
في هذا السياق، شبه البروفيسور إس. إس. أيينغار، مدير مركز التميز في الأدلة الجنائية الرقمية في جامعة فلوريدا الدولية، عملية الاختراق التقليدي بمحاولة فتح قفل باب يدوي عبر تجربة جميع الاحتمالات الممكنة، وهي عملية قد تستغرق وقتًا طويلًا جدًا، في حين أن الاختراق باستخدام الحوسبة الكمومية يشبه امتلاك مفتاح قادر على تجربة عدة احتمالات في وقت واحد، ما يمنحه قوة هائلة في كسر أنظمة التشفير.
التشفير على مستوى الإطارات: نهج متطور لتعزيز أمن ملفات الفيديو
لمواجهة هذا التحدي، ركز الباحثون على آلية تشفير ونقل بيانات الفيديو عبر شبكة الإنترنت. ويعتمد النظام الجديد على دمج تقنيات التشفير التقليدية مع عناصر مصممة خصيصى لمقاومة الهجمات الكمومية المستقبلية.
على خلاف الأساليب التقليدية التي تتعامل مع الفيديو ملفًا واحدًا كبيرًا يُشفر دفعة واحدة، يعتمد هذا الإطار على توليد مفاتيح تشفير شبه عشوائية تقوم بتشفير كل إطار من إطارات الفيديو منفصلًا قبل إرساله.
من الناحية العملية، تُشفر بيانات الفيديو باستخدام مفاتيح تشفير لا يمكن فكها إلا من قبل المستخدمين المخولين بذلك. وحتى في حال اعتُرضت البيانات في أثناء عملية النقل، فإنها تبقى غير قابلة للفهم أو القراءة دون امتلاك المفتاح الصحيح.
إزالة الأنماط وزيادة العشوائية لتعزيز الأمان
تكمن إحدى النقاط الجوهرية في هذا النظام في تركيزه على البنية الداخلية لملفات الفيديو. إذ تحتوي هذه الملفات غالبًا على أنماط متكررة، ناتجة عن خوارزميات الضغط أو التشابه بين الإطارات المتتالية، ما قد يشكل ثغرة يمكن للمهاجمين استغلالها ضمن عملية تحليل التشفير، أي البحث عن نقاط الضعف في الخوارزميات التشفيرية.
لمعالجة هذه المشكلة، يعمل النظام الجديد على زيادة مستوى العشوائية، أو ما يُعرف بالإنتروبيا، ضمن بيانات الفيديو المشفرة، ما يؤدي إلى تقليل إمكانية اكتشاف الأنماط المتكررة.
اعتمد الباحثون في تقييمهم للنظام على قياس مجموعة من العوامل الإحصائية، من بينها درجة عشوائية البيانات المشفرة، ومدى التشابه بين القيم المتجاورة. أظهرت النتائج أن زيادة العشوائية تؤدي إلى تقليل الترابط بين البيانات، من ثم جعل عملية تحليل التشفير أصعب وأعقد.
أداء محسن وإمكانية تطبيق واسعة
أظهرت نتائج المحاكاة أن النظام الجديد يتفوق على أساليب تشفير الفيديو التقليدية بنسبة تتراوح بين 10% و15% من حيث القوة التشفيرية والكفاءة. يُعزى هذا التحسن أساسًا إلى تقليل الأنماط التي قد يعتمد عليها المهاجمون دلائل في أثناء محاولاتهم فك التشفير.
من المزايا المهمة لهذا النظام أنه لا يتطلب أجهزة حوسبة كمومية متخصصة، بل يمكن تشغيله باستخدام الحواسيب التقليدية الحالية. هذا يفتح المجال أمام إمكانية دمجه ضمن البنى التحتية القائمة، مثل أنظمة الاجتماعات المرئية، وخدمات التخزين السحابي، وأنظمة المراقبة الأمنية.
الاستعداد ليوم التفوق الكمومي (يوم كيو)
يُعد هذا الابتكار جزءًا من جهود عالمية أوسع تهدف إلى الاستعداد لما يُعرف بـ Q Day)) ، وهو السيناريو الافتراضي الذي تصل فيه الحواسيب الكمومية إلى مستوى من القدرة يجعلها قادرة على كسر أنظمة التشفير واسعة الاستخدام.
في هذا الإطار، تعمل الحكومات والمؤسسات البحثية حول العالم على تطوير معايير تشفير مقاومة للهجمات الكمومية. مثلًا، يقيّم المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا في الولايات المتحدة الأمريكية خوارزميات تشفير جديدة تهدف إلى الصمود أمام الهجمات الكمومية، ويعمل حاليًا على اعتماد مجموعة منها لتصبح بدائل للأنظمة التشفيرية الحالية المستخدمة على شبكة الإنترنت.
مع ذلك، فإن النظام الجديد لا يهدف إلى استبدال هذه المعايير، بل يُمثل طبقة إضافية من الحماية، مخصصة لبيانات الفيديو.
نحو مستقبل آمن لاتصالات الفيديو
مع تزايد الاعتماد على تقنيات الفيديو في مجالات الأعمال والحكومات والحياة اليومية، ومع التطور السريع في تقنيات الوسائط الاصطناعية والتزييف العميق، تبرز الحاجة الملحة إلى ضمان أصالة وأمان محتوى الفيديو.
يعمل الباحثون حاليًا على توسيع نطاق هذا النظام ليشمل مقاطع فيديو طويلة ومنصات الاتصال الفوري في الزمن الحقيقي. في حال نجاح هذه الجهود، فمن المتوقع أن تُستخدم هذه التقنية، أو تقنيات مشابهة لها، في حماية مختلف أشكال الاتصال المرئي، بدءًا من الاجتماعات المؤسسية وصولًا إلى شبكات المراقبة، من الهجمات الإلكترونية الحالية وكذلك التهديدات المستقبلية المرتبطة بالحوسبة الكمومية.