أدوية البروبيوتيك.. ماذا تحتوي فعلًا؟

18 يونيو 2026
18 مشاهدة
0 اعجاب

أدوية البروبيوتيك.. ماذا تحتوي فعلًا؟



وقفت الكاتبة، وهي الطبيبة والباحثة المتخصصة في الميكروبيوم بيرينيس لانغدون من جامعة لندن، أمام منضدة الصيدلية بانتظار صرف وصفتها الطبية، لتلفت انتباهها مجموعة من منتجات البروبيوتيك المعروضة بطريقة بارزة أمام الزبائن.


«كان ذلك منذ عامين، حينما كنت أقرأ كل ما يقع بين يديّ عن الميكروبيوم والبروبيوتيك، سواء في الكتب أو الدوريات العلمية أو حتى في المتاجر، استعدادًا لكتابة كتابي: الميكروبيوم: ما ينبغي على الجميع معرفته.


لأيام متواصلة، انشغلت بقراءة كل ما يتعلق بالبروبيوتيك، وها هي هذه المنتجات تظهر أمامي الآن بطريقة مغرية، وكأنها تدعوني إلى شرائها.


كانت العبوات لامعة وجذابة، أما العبارات المطبوعة عليها فكانت كفيلة بإثارة الفضول، فوجدت نفسي ألتقط إحدى العلب لأعرف ما الذي تعد به، وإذا بي أقرأ: تعزيز صحة الأمعاء.. بكتيريا نافعة.


كنت على وشك الحصول على مضاد حيوي لعلاج التهاب اللوزتين، فتساءلت: هل يجدر بي شراء البروبيوتيك أيضًا؟ فقد سمعت كثيرًا أنها تساعد على تعويض البكتيريا النافعة التي قد تقضي عليها المضادات الحيوية.


كان الصيدلي يعرفني جيدًا؛ فقد فحص حلقي قبل قليل وكتب لي الوصفة، وعلى الأرجح لأنني أعمل طبيبةً عامة في المنطقة. 


أومأ برأسه مشجعًا وأشار إلى رف المنتجات، قائلًا: هذه المنتجات تحظى بشعبية كبيرة. 


قلبت العبوة لأقرأ ما كُتب على الجهة الأخرى، وبدا أن أكثر ما كُتب بوضوح كان متعلقًا بالمحتوى نفسه: 30 كبسولة تُؤخذ يوميًا، تحتوي كل واحدة منها على خمسة مليارات من السلالات البكتيرية الحية.


قارنتها بالمنتجات الأخرى الموجودة على الرف؛ وجدت أن بعضها يحتوي على ملياري بكتيريا، وبعضها على عشرة مليارات، بينما احتوت إحدى العبوات على خمسة وعشرين مليار بكتيريا في الكبسولة الواحدة. بدا الرقم هائلًا، إلى جانب أن الفارق بين الجرعات كان كبيرًا جدًا، فهل تعد هذه الجرعات آمنة؟


لكن ما لم يكن واضحًا هو ماهية هذه السلالات الحية تحديدًا؛ فقد وُصفت تارة بأنها «موثوقة» وتارة أخرى بأنها «مواتية». أما العلامات التجارية ذات الجرعات الأعلى فاختارت أوصافًا مثل «متنوعة» و«قوية»، وهي عبارات بدت أقرب إلى لغة الشركات العملاقة منها إلى لغة المكمّلات الغذائية.


عندما وصلت إلى الحديث عن الفوائد الفعلية، أصبحت العبارات أكثر غموضًا. إذ وفقًا لما كُتب على العبوات، يهدف البروبيوتيك إلى «دعم البكتيريا الطبيعية في الأمعاء»، أو ربما إلى «دعم الحياة اليومية» عمومًا.


استغرق الصيدلي بعض الوقت لتجهيز الدواء ووضع الملصقات عليه، فواصلت القراءة وانتقلت إلى التفاصيل المكتوبة بخط صغير.


أبدت كل علامة تجارية ثقةً كبيرة في قدرة منتجاتها على تجاوز أحماض المعدة، وكانت أيضًا واثقة من الأبحاث العلمية المرتبطة بها؛ إذ ظهرت عبارات مثل: «أكثر السلالات الحية خضوعًا للدراسة» و«سلالات دُرسَت على نطاق واسع»، وفي حين أنني لم أجد صعوبة في تصديق ذلك، إلا أن ما حيّرني حقًا هو غياب أي حديث واضح عن مدى فعاليتها الحقيقية.


وصلت أخيرًا إلى قائمة المكونات الفعلية؛ كانت كل عبوة تحتوي على مزيج مختلف من البكتيريا، وصل في بعض الحالات إلى خمسة عشر نوعًا مختلفًا، لكن اللافت للنظر أن جميعها تقريبًا كانت تضم أنواعًا متعددة من بكتيريا العصية اللبنية (Lactobacillus) والشقاء (Bifidobacteria).


كنت أعرف بكتيريا العصية اللبنية الحمضية بوصفها أحد الأنواع المستخدمة في صناعة الزبادي، في حين تُستخدم بكتيريا الشقاء على نطاق واسع في الصناعات الغذائية، ويُعرف عن هذين النوعين أنهما من السكان الطبيعيين للأمعاء البشرية، ويُعتقد أنهما يشكلان نحو 12% من إجمالي البكتيريا الموجودة عادةً في الأمعاء.


هنا برز سؤالان مهمان: لماذا تبدو معظم منتجات البروبيوتيك معتمدةً على الأنواع البكتيرية نفسها؟ ولماذا تُصاغ ادعاءاتها التسويقية دائمًا بهذه الدرجة من الغموض؟


يكاد شخص واحد من كل عشرين بالغًا يتناول البروبيوتيك، ويشيع استخدامه بين أصحاب المستويات التعليمية الأعلى والدخول المرتفعة والأنظمة الغذائية الأفضل، لكن لو كان لدينا فهم أعمق قليلًا لعالم الميكروبات، فهل كنا سنظل متحمسين لتناولها بالقدر ذاته؟


في الواقع، من الطبيعي أن نتناول كميات هائلة من البكتيريا مع الطعام كل يوم؛ إذ يصل عدد البكتيريا التي تدخل أجسامنا عبر الطعام إلى نحو 1.3 مليار بكتيريا يوميًا حتى عند تناول أطعمة مغسولة أو مطهية.


لكن فور وصول الطعام إلى المعدة، تتكفل أحماض المعدة القوية بالقضاء على معظم تلك البكتيريا أو إضعافها بشدة، ولا ينجح في الوصول إلى القولون سوى عدد محدود جدًا منها، بل إن حتى بكتيريا البروبيوتيك التي تنجو عادةً لا تبقى هناك إلا بضعة أيام.


أما ابتلاع كبسولة بروبيوتيك تحتوي على 25 مليار بكتيريا، فهو يعني إدخال كمية من الميكروبات تفوق ما اعتاد الجسم التعامل معه بنحو عشرين مرة، أي أنه يمثل عبئًا ميكروبيًا هائلًا، وحتى البكتيريا التي تُوصف بأنها نافعة قد تتسبب في عدوى خطيرة إذا وصلت إلى أماكن لا يُفترض أن توجد فيها، مثل مجرى الدم.


صحيح أن معظم الأشخاص يستطيعون التعامل مع هذه الحمولة الميكروبية الكبيرة بفضل أنظمة الدفاع الطبيعية الموجودة في الأمعاء، إلا أن البروبيوتيك لا يُنصح به لمن يعانون ضعفًا في جهاز المناعة، لأن أجسامهم قد تكون أقل قدرة على السيطرة على هذه البكتيريا، ما يزيد احتمالية انتشارها والتسبب في العدوى.


رغم وجود ملايين الأنواع البكتيرية المختلفة، فإن معظم شركات البروبيوتيك تعتمد على السلالات ذاتها تقريبًا، ويُعزى ذلك إلى أن هذه الأنواع معروفة بسلامتها أو أنها مستخدمة في الصناعات الغذائية منذ ما قبل عام 1958.


فعندما يُصنف أحد الميكروبات رسميًا ضمن فئة «المعتمد بها عمومًا على أنها آمنة»، يصبح المنتج غير ملزم بإجراء المزيد من الأبحاث لإثبات سلامته، وإذا اكتفت الشركة بادعاءات صحية عامة تُعرف بـ«الادعاءات الصحية المؤهلة»، فلن تكون مطالبة حتى بإثبات فعالية المنتج على نحو مباشر.


ومع ذلك، يبدو أن صناعة البروبيوتيك تنجح في إيصال رسالتها التسويقية حتى دون تقديمها ادعاءات واضحة بشأن فعاليتها. إذ ريثما كنت أمسك بالعبوة بين يدي، راودني شعور قوي بأن هذا المنتج مفيد لصحتي، وأنه قد يجعلني أكثر عافية، وأن عليّ شراؤه.


ظللت ممسكة بالعبوة بتردد، قبل أن يسألني الصيدلي: «هل ترغبين في إضافتها أيضًا؟»


نظرت إلى السعر: 17.99 جنيهًا إسترلينيًا مقابل ثلاثين كبسولة بروبيوتيك منخفضة الجرعة، للحصول على شيء يدخل إلى جسمي بالفعل من خلال الطعام العادي، عندها قررت الاكتفاء بوصفة المضاد الحيوي فقط، والتي بلغت تكلفتها 9.90 جنيهات إسترلينية.


لكن يبقى السؤال الأهم: هل تحقق منتجات البروبيوتيك فعلًا الفوائد التي يُروَّج لها؟


لقد تعلمت أن أتحفظ في الإجابة عن هذا السؤال. فالأشخاص الذين يطرحونه عليّ يكونون في الغالب متحمسين للفكرة أصلًا، وغالبًا ما يتناولون البروبيوتيك بالفعل، أي أنه لديهم استعداد مسبق لتصديق فوائده.


ولتجنب إحباطهم، أصبحت أكتفي عادة بالقول: على الأرجح لم تسبب لك أي ضرر، باستثناء تكلفتها المادية!».





المصادر:


الكاتب

رحاب القاضي

رحاب القاضي
تدقيق

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة