أقرب كوكب شبيه بالأرض ربما يكون على بعد 40 سنة ضوئية فقط!
ربما يكون أحد الكواكب في نظام ترابيست-1 الواقع على بُعد 40 سنة ضوئية فقط منا، مُحاطًا بغلاف جوي قادر على دعم الحياة.
إذ كشفت المشاهدات الجديدة والمثيرة لتلسكوب جيمس ويب الفضائي مؤشرات توحي بأن الكوكب الخارجي ترابيست-1e، الذي يُماثل كوكب الأرض في حجمه تقريبًا، قد يمتلك غلافًا غازيًا مشابهًا للغلاف الجوي لكوكبنا، ما قد يهيئ الظروف لوجود مياه سائلة على سطحه.
مع أن هذه النتائج ما تزال غير مؤكدة وتحتاج إلى مزيد من الدراسات التفصيلية والمتابعة الدقيقة للتحقق من صحتها، فإنها تُعد حتى الآن أقرب ما توصل إليه علماء الفلك في رحلتهم الطويلة للعثور على كوكب أرض ثان.
توضح سارة سيجر، عالمة الفلك في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، المؤلفة المشاركة في البحث: «ما يزال كوكب ترابيست-1e أحد أكثر الكواكب إثارةً للاهتمام في المنطقة الصالحة للحياة، هذه النتائج الجديدة تُقربنا خطوةٕ إضافيةً من معرفة طبيعة الحياة على هذا الكوكب».
«إن الأدلة التي تستبعد السيناريوهات المشابهة التي حدثت لغلافَي المريخ والزهرة تجعلنا نركز بدقة أكبر على الاحتمالات الأخرى التي ما زال حدوثها ممكنًا».
عند البحث عن عوالم صالحة للحياة خارج نظامنا الشمسي، فإن الأرض هي النموذج الذي يبحث عُلماء الفلك عما يشبهه. يعود ذلك إلى أننا في الكون بأكمله لم نجد عالمًا أو كوكبًا معروفًا يصلح للحياة إلا كوكب الأرض، الذي نعلم بما لا يدع مجالًا للشك أن الحياة قد نشأت وازدهرت عليه.
إحدى السمات الرئيسة التي يبحث عنها العلماء هي إمكانية وجود مياه سائلة على سطح الكوكب، التي تُعد مادةً ضروريةً جدًا للعمليات الكيميائية الحيوية للكائنات الحية. ذلك يعني أن الخطوة الأولى لإيجاد الكواكب الخارجية الصالحة للحياة، وجود الكوكب على بُعد مناسب عن نجمه المضيف، في موقع لا تكون المياه مُجمدةً فيه أو تحت درجة حرارة منخفضة جدًا أو مُتبخرة بسبب درجة الحرارة العالية.
أُعلِن عن اكتشاف النظام النجمي ترابيست-1 عام 2016. وقد أثار هذا الاكتشاف حينها حماسًا واسعًا في الأوساط العلمية لسبب وجيه، إذ يتكون هذا النظام من نجم قزم أحمر تدور حوله سبعة كواكب خارجية ذات طبيعة صخرية -ليست غازيةً أو جليديةً كما هو حال كواكب كثيرة أخرى، والأكثر إثارة للاهتمام أن بعض هذه الكواكب تقع تمامًا ضمن ما يُعرف بالمنطقة الصالحة للسكن أو منطقة المياه السائلة، أي النطاق الذي قد تسمح ظروفه بوجود مياه في حالتها السائلة على السطح.
لكن مجرد وجود الكوكب في هذه المنطقة لا يكفي وحده ليجعله صالحًا لاحتضان الحياة. فحتى تبقى المياه مستقرةً في حالتها السائلة -بدل أن تتبخر أو تتصاعد مباشرةً إلى الفضاء كما يحدث في الفراغ عند درجات حرارة مناسبة، لابد من وجود غلاف جوي يحافظ على الضغط والاستقرار الحراري.
هنا تبدأ الصعوبة بالنسبة إلى النظام النجمي ترابيست1. فالأقزام الحمراء -ومنها النجم المركزي نفسه لهذا النظام- أبرد بكثير من نظيره النجمي: الشمس. ذلك يجعل المنطقة الصالحة للحياة قريبةً جدًا من النجم نفسه. غير أن هذه الأقزام الحمراء تُعرف أيضًا بنشاطها الشديد، إذ تُطلق توهجات وانفجارات نجميةً متكررةً وقويةً. يُعتقد أن مثل هذا النشاط قد يكون كفيلًا بتجريد الكواكب القريبة من أغلفتها الجوية بمرور الزمن، ما يهدد أي إمكانية لوجود بيئة مستقرة تدعم الماء السائل والحياة.
بعد العديد من الدراسات التفصيلية عن الكوكب ترابيست-1d، أحد الكواكب الواقعة في المنطقة الصالحة للحياة في النظام النجمي ترابيست-1، لم يُعثر على أي أثر لغلاف جوي يحيط به. أما الكوكب ترابيست-1e فيتموضع في موقع أكثر ملاءمةً لاحتضان الحياة، إذ يدور على مسافة أبعد قليلًا عن النجم، ما يوفر له ظروفًا أكثر استقرارًا.
استخدم فريق من العلماء تليسكوب جيمس ويب الفضائي لدراسة الشعاع النجمي القادم من النجم ترابيست1 في أثناء عبور الكوكب ترابيست1e أمامه. ركزت الدراسة على البحث عن أي تغيرات طفيفة في الضوء قد تكشف ليس فقط عن وجود غلاف جوي بل أيضًا عن مكوناته.
جيا آنا جليدن البيانات وتفسير النتائج لمعرفة دلالاتها.
جمع الفريق بيانات أربع عمليات عبور للكوكب ترابيست1e أمام النجم، وبدؤوا تحليلها بدقة. مع الأخذ في الحسبان أنها عملية بالغة التعقيد بسبب الحاجة إلى تصحيح أي «تلوث» قد يُحدثه النشاط النجمي، مثل الانفجارات والتوهجات النجمية والانبعاثات المتغيرة.
لكن النتائج التي توصلوا إليها كانت غامضةً إلى حد محبط. إذ لم تُقدم سوى أدلة محدودة. بالكاد تكفي لتشجيع الباحثين على مواصلة المتابعة والدراسات المستقبلية.
أوضح عالم الفيزياء الفلكية بجامعة القديس أندروز في بريطانيا ريان ماكدونالد: «لقد توصلنا إلى احتمالين رئيسيين لتفسير ما رصدناه. الاحتمال الأكثر إثارةً هو أن الكوكب ترابيست1e يمتلك ما يُسمى غلافًا جويًا ثانويًا، يتكون من غازات ثقيلة مثل النيتروجين. مع ذلك، فإن مشاهداتنا الأولية ما تزال غير كافية للجزم ولا يمكنها استبعاد أن يكون الكوكب مجرد صخرة عارية بلا أي غلاف جوي».
إذا تبين أن للكوكب الخارجي غلافًا جويًا بالفعل، فإن جليدن وزملاءها قد قطعوا الخطوات الأولى نحو تحديد مكوناته المحتملة.
حين يمر الضوء النجمي عبر الغلاف الجوي لكوكب ما، فإن بعض أطواله الموجية تُمتص ثم يُعاد إصدارها بواسطة الذرات والجزيئات المكوِنة لذلك الغلاف الغازي. بتتبع المناطق المعتمة والساطعة في الطيف، يستطيع العلماء استنتاج ماهية الذرات والجزيئات.
أظهرت النتائج احتمالًا ضعيفًا لوجود تركيز مرتفع من ثاني أكسيد الكربون، ما يستبعد السيناريوهات المشابهة لأغلفة كوكبي الزهرة والمريخ. لا تُرجح البيانات وجود غلاف جوي غني بالديوتيريوم -أحد نظائر الهيدروجين- مترافقًا مع نسب عالية من ثاني أكسيد الكربون والميثان. لكن الطيف الرصدي يتوافق بشكل وثيق مع وجود غلاف جوي غني بالنيتروجين الجزيئي، مع كميات ضئيلة من ثاني أكسيد الكربون والميثان.
يتضمن هذا الاحتمال قدرًا كبيرًا من الإثارة. إذ إن الغلاف الجوي للأرض يتكون تقريبًا من 78٪ من النيتروجين الجزيئي. فإذا أمكن تأكيد هذه النتائج، فقد يكون ترابيست-1e بالفعل أقرب الكواكب الخارجية شبهًا بالأرض حتى الآن. غير أن هذا الشرط لم يُحسم بعد.
لحسن الحظ، فإن المزيد من عمليات الرصد عبر تلسكوب جيمس ويب الفضائي مازالت قيد التنفيذ، ما يمنح الباحثين فرصةً لتأكيد وجود الغلاف الجوي أو استبعاده قريبًا.
تقول آنا جليدن: «ما زلنا في المراحل الأولى لاكتشاف مدى روعة الأبحاث التي يمكن لتلسكوب جيمس ويب الفضائي توفيرها. من المذهل أن نتمكن من قياس تفاصيل الضوء النجمي حول كواكب بحجم الأرض تبعد 40 سنةً ضوئية، ومعرفة شكل الحياة المحتملة هناك، إذا كانت ممكنة».
«إننا نعيش بالفعل في عصر جديد من الاستكشاف العلمي، ومن المثير للغاية أن نكون جزءًا منه».
المصادر:
الكاتب
محمد اسماعيل

ترجمة
محمد اسماعيل
