اكتشاف حالة كمية جديدة كانت تعد مستحيلة سابقًا!
ظهرت حالة كمومية كان يعتقد سابقًا أنها مستحيلة، ما دفع العلماء إلى إعادة النظر في الشروط التي تحكم سلوك الإلكترونات في بعض المواد. يمكن لهذا الاكتشاف الذي توصل إليه فريق دولي من الباحثين، أن يسهم في تطوير الحوسبة الكمومية، وتحسين كفاءة الإلكترونيات، وتطوير تقنيات الاستشعار والتصوير.
وصفت هذه الحالة بأنها طور شبه فلزي طوبولوجي، وقد تنبأت الدراسات النظرية بظهورها عند درجات حرارة منخفضة في مادة مكونة من السيريوم والروثينيوم والقصدير (CeRu4Sn6)، قبل أن تؤكد التجارب وجودها.
عند درجات حرارة منخفضة للغاية، تصل المادة المذكورة إلى حالة حرجة كموميًا، وهي نقطة تتأرجح فيها المادة بين تغيرات في طورها، إذ تكون الظروف شديدة البرودة لدرجة أن التقلبات الكمومية تهيمن، محولةً المادة فعليًا إلى كتلة من الموجات بدلًا من ضباب من الجسيمات.
يكمن التحول الجذري في هذه الدراسة في أن الحرجية الكمومية قد تفضي إلى ظهور حالات يعتقد أنها تحددها التفاعلات بين الجسيمات، مثل سلوك الإلكترونات بوصفها ناقلات شحنة منفصلة. يقول الفيزيائي كيمياو سي، من جامعة رايس في الولايات المتحدة: «هذه خطوة أساسية إلى الأمام. يظهر بحثنا أن التأثيرات الكمومية القوية يمكن أن تتضافر لتنتج شيئًا جديدًا تمامًا، ما قد يساهم في تشكيل مستقبل علم الكم».
تشير الطوبولوجيا في الفيزياء إلى هندسة البنى المادية. يمكن لحالات طوبولوجية محددة أن تحمي خصائص الجسيمات، على عكس الطريقة التي قد تتصادم بها الجسيمات المتجاورة وتؤثر في سلوك بعضها. يتطلب فهم الحالات الطوبولوجية عادةً ربط الخصائص معًا في خرائط تشبه خرائط الجسيمات، وهو أمر لا يعتقد أن المادة تمتلكه في ظل الحرجية الكمومية.
تعد كل من الخاصية الحرجة الكمومية والطوبولوجيا مفيدة في المواد لأسباب مختلفة، وقد يؤدي الجمع بينهما إلى ظهور فئة جديدة من المواد ذات حساسية عالية في استجاباتها الكمومية واستقرار موثوق.
عندما برد الباحثون مركب CeRu4Sn6 إلى ما يقارب الصفر المطلق، ثم طبقوا شحنة كهربائية، لاحظوا ظاهرة تعرف بتأثير هول في الإلكترونات التي تحمل التيار عبر المادة، إذ انحنى التيار جانبيًا.
كانت هذه إشارة واضحة إلى التأثيرات الطوبولوجية وفقًا للباحثين. يتطلب تأثير هول عادةً وجود مجال مغناطيسي لتغيير مسار الإلكترونات، لكن لا يوجد مجال مغناطيسي في هذه الحالة. بدلًا من ذلك، كان مسار التيار يتشكل بفعل خاصية متأصلة في المادة.
تقول الفيزيائية سيلكه بوهلر-باشن من جامعة فيينا للتكنولوجيا: «كانت هذه هي الفكرة المحورية التي سمحت لنا بإثبات ضرورة مراجعة الرأي السائد».
وجد العلماء أنه حيث كانت المادة أكثر اضطرابًا من حيث أنماط الإلكترونات، كان التأثير الطوبولوجي في أقوى حالاته. إذ ساهمت التقلبات الحرجة الكمومية في استقرار الطور المكتشف حديثًا.
ما زال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به. يسعى الباحثون لمعرفة ما إذا كان بالإمكان رصد هذه الحالة الكمومية في مواد أخرى، لتحديد مدى عموميتها. كما يرغبون في دراسة البنية الطوبولوجية المرصودة هنا دراسةً معمقة، والشروط الدقيقة اللازمة لظهورها.
يقول سي: «تسد هذه النتائج ثغرةً في فيزياء المادة المكثفة، إذ تظهر أن التفاعلات الإلكترونية القوية قادرة على نشوء حالات طوبولوجية بدلًا من تدميرها. تكشف هذه النتائج عن حالة كمومية جديدة ذات أهمية عملية كبيرة. إن معرفة ما نبحث عنه تمكننا من استكشاف هذه الظاهرة بشكل أكثر منهجية. إنها ليست مجرد رؤية نظرية، بل خطوة نحو تطوير تقنيات حقيقية تسخر أعمق مبادئ الفيزياء الكمومية».
المصادر:
الكاتب
محمد الشرقاوي

ترجمة
محمد الشرقاوي
