الأرض تتسبب في صدأ القمر!
أشارت دراسة جديدة إلى أن الأرض قد تكون المسؤولة عن تكون الصدأ على سطح القمر، إذ يبدو أن الأكسجين المتسرب من الغلاف الجوي للأرض هو الذي يحول الحديد الموجود عند قطبي القمر إلى معدن الهيماتيت (Fe₂O₃)، المعروف باسم أكسيد الحديد أو الصدأ.
أظهرت عمليات المحاكاة المخبرية أن هذا هو التفسير الوحيد لوفرة الهيماتيت وطريقة توزيعه على سطح القمر، ما يفتح نافذة جديدة لفهم التبادل الكيميائي المعقد بين الأرض وجارها الوحيد.
يقول الفريق البحثي بقيادة عالم الكواكب شياندي زينغ من جامعة ماكاو للعلوم والتكنولوجيا في الصين: «أجرينا سلسلة من تجارب تعريض المعادن لأيونات الأكسجين والهيدروجين لمحاكاة عمليات الإشعاع التي يتعرض لها سطح القمر، وللمرة الأولى أثبتت تجاربنا إمكانية تكون معدن الهيماتيت واختزاله في المختبر».
أثار اكتشاف الهيماتيت على القمر دهشة العلماء قبل عدة سنوات، لأن هذا المعدن يتكون نتيجة أكسدة الحديد، وهي العملية المعروفة بالصدأ. على الأرض يحدث ذلك بسهولة لوجود الأكسجين والماء، لكن القمر يفتقر إلى غلاف جوي حقيقي ولا يحتوي على الأكسجين الحر، ويتعرض باستمرار لقصف الرياح الشمسية الغنية بأيونات الهيدروجين.
يُعد الهيدروجين عاملًا مختزلًا، إذ يمنح الإلكترونات للمواد التي يتفاعل معها، في حين تعتمد الأكسدة على فقدان الإلكترونات، ولذلك كان من المتوقع أن تمنع الرياح الشمسية تكون الصدأ على القمر وإن توفرت العناصر اللازمة.
لكن الباحثين وجدوا تفسيرًا مختلفًا يرتبط بالأرض نفسها. فالرياح الشمسية تدفع الغلاف المغناطيسي للأرض، فيمتد خلف الكوكب على هيئة ما يُعرف بـالذيل المغناطيسي، الذي يحمل معه أيضًا أيونات أكسجين متسربة من الغلاف الجوي للأرض.
عندما يمر القمر عبر هذا الذيل في أثناء اكتمال البدر، تتعرض أقطابه لوابل من أيونات الأكسجين القادمة من الأرض، وفي الوقت نفسه يحجب ظل الأرض نحو 99% من الرياح الشمسية، ما يقلل وصول الهيدروجين الذي يعيق عملية الأكسدة.
بذلك يقضي القمر نحو خمسة أيام كل شهر في ظروف مثالية نسبيًا لتكون الهيماتيت.
لاختبار هذه الفرضية، قذف الباحثون أيونات الأكسجين على معادن غنية بالحديد تمثل مكونات معروفة في تربة القمر، شملت البيروكسين، والأوليفين، والإلمنيت، والترويليت، إضافةً إلى نيزك حديدي، واختبروا معدن المغنيتيت (Fe₃O₄) للتحقق من كونه مرحلة انتقالية بين الحديد الفلزي والهيماتيت.
أظهرت النتائج أن أيونات الأكسجين نجحت في أكسدة الحديد الفلزي والإلمنيت والترويليت، وكان تأثيرها الأقوى على الحديد الفلزي، في حين لم يتكون الهيماتيت إطلاقًا في معادن السيليكات الحاملة للحديد مثل البيروكسين والأوليفين، ما يشير إلى أن عملية الأكسدة انتقائية وليست عامة.
كتب الباحثون: «تقدم نتائجنا دليلًا قويًا على أن الهيماتيت قد يتكون على سطح القمر بفعل تعريضه لأيونات الأكسجين، وأن رياح الأرض، بوصفها المصدر الرئيسي لهذه الأيونات، تؤدي دور العامل المؤكسد الذي يحفز أكسدة الحديد والمعادن الغنية به الموجودة في التربة القمرية».
أضافوا أن هذه المعادن، رغم وجودها على هيئة جسيمات دقيقة أو بلورات صغيرة، قد تخضع للأكسدة مباشرة عند تعرضها لرياح الأرض.
لمعرفة ما إذا كانت الرياح الشمسية قادرة على إزالة هذا الصدأ، وجه الباحثون حزمًا من أيونات الهيدروجين إلى عينات الهيماتيت بكثافات مختلفة.
أظهرت التجارب أن الحزم عالية الطاقة استطاعت عكس عملية الأكسدة، في حين لم تتمكن الحزم منخفضة الطاقة، المشابهة للرياح الشمسية، من إزالة الهيماتيت.
يشير ذلك إلى أن الرياح الشمسية ليست قوية بما يكفي لعكس عملية الصدأ التي يسببها الأكسجين القادم من الأرض، ويفسر تركز الهيماتيت بالقرب من قطبي القمر، إذ يوجه الذيل المغناطيسي للأرض أيونات الأكسجين نحو خطوط العرض العليا، ويبعد في الوقت نفسه جزءًا كبيرًا من أيونات الهيدروجين.
قد تساعد هذه النتائج على حل لغز آخر، إذ غالبًا ما يُعثر على الهيماتيت بالقرب من الماء على سطح القمر، ما دفع بعض العلماء إلى الاعتقاد بأن الماء هو سبب تكونه.
توصل الباحثون إلى نتيجة مختلفة. فعندما عرضوا الهيماتيت لهيدروجين عالي الطاقة، انفصل الأكسجين عن الحديد واتحد مع الهيدروجين مكونًا الماء، ما يشير إلى أن الماء قد يكون ناتجًا عن اختزال الهيماتيت، وليس سببًا لتكونه.
يرى الباحثون أن الهيماتيت القمري قد يمثل سجلًا جيولوجيًا يحفظ تاريخ الأكسجين في الغلاف الجوي للأرض، وربما يوثق أحداثًا تعود إلى حدث الأكسدة العظيم قبل نحو 2.4 مليار سنة.
يختتم الفريق البحثي قائلًا: «إن تكون الهيماتيت، وربما المغنيتيت أيضًا، بفعل رياح الأرض يبرز وجود تبادل مادي مستمر بين الأرض والقمر ربما استمر أكثر من أربعة مليارات عام نتيجة التفاعل بين غلافيهما المغناطيسيين. تؤكد النتائج أهمية مواصلة دراسة تفاعل تربة القمر مع البلازما الفضائية، خاصة مع نجاح هبوط مركبة تشاندرايان-3، واستعداد مهمة تشانغ آه-7 الصينية لاستكشاف القطب الجنوبي للقمر، ما قد يمنحنا فهمًا أعمق للتاريخ المشترك بين الأرض والقمر».
المصادر:
الكاتب
أحمد صبري عبد الحكيم
