الأرض تزداد ظلمةً، فما السبب؟ وهل يعد ذلك مؤشرًا خطيرًا؟
تدور الأرض بسرعة تبلغ نحو 1673 كيلومتر في الساعة وهذا يعد بطيئًا نسبيًا، ولهذا السبب يُفترض أن النقطتين الواقعتين على مسافتين متساويتين من خط الاستواء تتلقيان مقدارًا متقاربًا من الإشعاع الشمسي، ودرجة متشابهة من التسخين. لكن الواقع بطبيعة الحال أكثر تعقيدًا من ذلك.
دعمت ناسا دراسة جديدة اعتمدت على بيانات من القمر الصناعي المخصص لنظام السحب وطاقة الإشعاع الأرضي (CERES)، وخلصت إلى أن نصف الكرة الشمالي أصبح في الواقع أكثر خفوتًا من نصف الكرة الجنوبي، وقد يشكّل ذلك مشكلة كبيرة في ظلّ سعي العالم الحثيث لمواجهة الاحترار العالمي الذي يمر به كوكب الأرض بسبب تغيّر المناخ.
اكتشف فريق من العلماء بقيادة نورمان لوب من مركز لانغلي للأبحاث التابع لوكالة ناسا في ولاية فرجينيا، أن نصف الكرة الشمالي يشهد فقدانًا صافيًا في الطاقة الإشعاعية مقارنةً بنصف الكرة الجنوبي. ويعني ذلك أنه أكثر قتامة إذ يمتص كمية أكبر من الضوء ويعكس كمية أقل منه. ولو نُظر إلى الأرض من الفضاء، لَبَدا نصفها الشمالي أخفت بسبب هذا النقص في الانعكاس. وقد نُشرت نتائج الدراسة في مجلة PNAS.
تؤثر كل هذه العوامل في الموازنة الإشعاعية للأرض، أي كمية الضوء التي يمتصها الكوكب ويعيد إشعاعها إلى الفضاء على شكل إشعاع طويل الموجة الخارج (OLR). وعادةً، تعوض التيارات المحيطية هذا الاختلال بنقلها الطاقة من نصف الكرة الجنوبي إلى نصف الكرة الشمالي، لكن التغيرات السطحية قد أزاحت التوازن إلى حدّ كبير، فلم تعد التيارات المحيطية تعوّض هذا الفرق خلال العقدين الماضيين.
أوضح الباحثون أن التزايد في قتامة نصف الكرة الشمالي مقارنةً بنصف الكرة الجنوبي يرتبط بتغيرات في الفروق بين نصفي الكرة فيما يتعلق بتفاعلات الهباء الجوي مع الإشعاع، ومعامل الانعكاسية السطحية (الألبيدو)، وتغيّرات بخار الماء. وأضافوا أن طريقة استجابة السحب لهذا الاختلال بين نصفي الكرة لها آثار مهمة على المناخ المستقبلي.
يُعدّ معامل الانعكاسية (الألبيدو) أحد العوامل الرئيسة وراء هذا التغير، أي قدرة سطح الأرض على عكس الإشعاع. وأبرز مكوّن لذلك هو الجليد البحري في القطب الشمالي، الذي يؤدي انخفاضه السريع إلى استبدال الأسطح العاكسة (مثل الثلج والجليد) بأسطح تمتص الضوء أكثر (مثل اليابسة ومياه البحار). ويؤدي ذلك إلى زيادة امتصاص الطاقة الشمسية، ما يرفع درجات حرارة السطح، ويُعدّ السبب الرئيسي وراء تسخين مناطق القطبين بمعدل يفوق أربعة أضعاف معدل التسخين في باقي أنحاء العالم.
تشكل السحب مصدرًا رئيسيًا آخر للانعكاسية، وقد وجدت الدراسات الحديثة أن عدد السحب -المنخفضة خصوصًا- قد انخفض خلال العقود الأخيرة. وزاد الأمر سوءًا أن هذا قد يكون جزئيًا نتيجة انخفاض التلوث في نصف الكرة الشمالي مقارنةً بالماضي. فالجسيمات المعلقة في الهواء (الهباء الجوي) المكوّنة لأشكال مختلفة من تلوث الهواء، أن تعمل كبذور لتكوّن السحب، وقلة هذه البذور يعني تكوّن عدد أقل من السحب.
في عام 2024، أوضحت الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) كيف أن انخفاض الانبعاثات الناتجة عن السفن العابرة للمحيطات قد يسرّع فعليًا من تغيّر المناخ بسبب الانخفاض الحاد في السحب العاكسة المعروفة باسم (مسارات السفن). ولا يُعدّ زيادة التلوث حلًا بالتأكيد، إذ أن هذه الغازات ما تزال تحتجز الحرارة على كوكب الأرض، لكن هذه النتائج دفعت بعض العلماء للتفكير في تجربة تقنيات الهندسة المناخية مثل حقن الهباء الجوي في الستراتوسفير أو زيادة انعكاسية السحب البحرية.
شهدت الموازنة الإشعاعية بين نصفي الكرة تباينًا، ومع إن القوانين البيئية في نصف الكرة الشمالي أدّت إلى بعض التقدم في الحد من التلوث، فقد عانى نصف الكرة الجنوبي موجات شديدة من حقن الهباء الجوي من مصادر متعددة، منها حرائق الغابات في أستراليا، وثورات بركان هونغا تونغا في عامي 2021 و2022.
يتزايد الفارق بين هاتين الموازنتين الإشعاعيتين ببطء (بنحو 0.34 واط لكل متر مربع لكل عقد)، لكن هذا الاختلاف سيكون كافيًا للتأثير الكبير في نماذج المناخ وتشويه تصورنا لمستقبل الكوكب. ومن المتوقع، مع مرور الوقت وبتوافر الابتكارات الكافية، أن نجد طريقة لإعادة هذه الموازنات الإشعاعية إلى مسارها الصحيح.
المصادر:
الكاتب
يزن عمران

تدقيق
محمد حسان عجك

ترجمة
يزن عمران
