الصيام المطول ليس علاجًا للسرطان: إليك ما قد يحدث بدلًا من ذلك

27 مارس 2026
13 مشاهدة
0 اعجاب

الصيام المطول ليس علاجًا للسرطان: إليك ما قد يحدث بدلًا من ذلك


 

كل بضعة أشهر، يظهر علاج مُعجز جديد للسرطان على وسائل التواصل الاجتماعي، من الأطعمة الخارقة والمكملات الغذائية إلى الحميات القاسية، تكون الوعود دائمًا جريئة، وغالبًا ما تكون مضللة.


الادعاء الأحدث يشير إلى أن صيام الماء مدة 21 يومًا يستطيع تجويع الخلايا السرطانية وتحفيز الجسم على شفاء نفسه، يبدو الأمر بسيطًا، توقف عن الأكل وسيتكفل جسدك بالباقي. لكن علم الأحياء نادرًا ما يكون بهذه البساطة.


السرطان ليس مرضًا واحدًا، الاستقلاب (أو الأيض أو التمثيل الغذائي) لا ينتقل بسهولة بين حالتي المرض والصحة. ومع إن الصيام قد يؤثر في كيفية استخدام خلايانا للطاقة، فلا يوجد دليل علمي على أنه يستطيع القضاء على الأورام. بل يكون الصيام المطول خطيرًا في الواقع، خصوصًا للأشخاص الذين أضعفهم السرطان أو علاجاته مسبقًا.


لقد أظهرت الدراسات المخبرية أن الصيام، بأشكاله المختلفة -من الصيام المتقطع إلى تقييد السعرات الحرارية قصير الأمد- قد يؤثر في كيفية إصلاح الخلايا لنفسها وإدارة طاقتها. وبينما يؤثر الصيام في الاستقلاب والمناعة وبعض جوانب نمو الخلايا، لا يوجد دليل موثوق صيام الماء المطول يستطيع علاج السرطان أو الشفاء منه.


تُظهر أبحاث عام 2024 أن الصيام يثبّط نشاط الخلايا الجذعية المعوية مؤقتًا، يتبعه تجديد قوي عند إعادة إدخال الطعام. يقود هذا الارتداد في نمو الخلايا الجذعية بمسار يُعرف باسم mTOR، وهو مسار يعزز صناعة البروتين وتكاثر الخلايا.


في حين يساعد هذا التجدد الأنسجة على التعافي، فقد يسبب أيضًا فترة ضعف يكون فيها حدوث الطفرات الضارة أسهل، ما يزيد خطر تشكل الأورام.


تركزت معظم الأبحاث حول تأثيرات الصيام المتقطع أو القصير الذي يستمر بين 12 و72 ساعة، وليس على صيام الماء القاسي الذي يمتد لأسابيع. إن صيام الماء لمدة 21 يومًا قد يسبب الجفاف، واضطرابات في توازن الشوارد، وانخفاضًا خطيرًا في ضغط الدم، وفقدانًا في الكتلة العضلية.


غالبًا ما يؤدي السرطان بذاته إلى سوء تغذية، والصيام قد يسرّع الهزال، ويضعف الجهاز المناعي، ويزيد من قابلية الإصابة بالعدوى.


يخضع كثير من مرضى السرطان لعلاجات كيميائية تتطلب تغذية كافية للحفاظ على وظيفة الأعضاء واستقلاب الأدوية بأمان. إن الجمع بين هذه العلاجات والصيام المطول قد يؤخر التعافي ويزيد التعب سوءًا.


تجري دراسات سريرية حاليًا حول الصيام القصير أو الأنظمة الشبيهة بالصيام قبل العلاج الكيميائي، لكنها تخضع لإشراف طبي، وتمتد أقل من 48 ساعة، وتُراقب بدقة لضمان السلامة.


يستمر الصيام في إثارة فضول العلماء لأنه يفعّل آليات البقاء القديمة في الجسم. فعند نقص الغذاء يطلق الجسم عمليات مثل الالتهام الذاتي، وفيه تعيد الخلايا تدوير مكوناتها التالفة. أظهرت الدراسات على الحيوانات أن هذه العملية قد تقلل الالتهاب وتحسن صحة الاستقلاب.


لكن القصة تتعقد كثيرًا مع السرطان، فالخلايا السرطانية خلايا ذكية ومتكيفة. بوسعها أن تتأقلم مع الصيام بإيجاد مصادر وقود بديلة، وأحيانًا تتفوق على الخلايا السليمة في ظل الإجهاد الغذائي. وقد تضعف فترات الصيام الطويلة الخلايا المناعية أيضًا، وهي التي تكتشف الأورام وتهاجمها عادةً.


تُظهر دراسة الصيام لعام 2024 هذه الازدواجية بوضوح، فقد يعيد الصيام ضبط الاستقلاب، لكن إعادة التغذية تنشّط بسرعة مسارات النمو (مثل mTOR)، وفي الخلايا السليمة يساعد هذا على إصلاح الأنسجة. لكن في الخلايا التي تحمل بالفعل تلفًا في الحمض النووي أو طفرات مبكرة، قد يشجع هذا على التقدم نحو الخبث. وهذا يجعل من الصيام عاملًا بيولوجيًا معقدًا أكثر من كونه تدخلًا علاجيًا آمنًا أو بسيطًا.


أسطورة إزالة السموم


يأتي جزء كبير من جاذبية الصيام الشعبية من أسطورة إزالة السموم، وهو الاعتقاد بأن الامتناع عن الطعام ينظف الجسم. في الواقع، تؤدي أعضاء مثل الكبد والكليتين والجهاز اللمفاوي هذه المهمة باستمرار.


السرطان لا ينتج عن سموم متراكمة يمكن التخلص منها، بل يتطور بسبب تغيرات جينية تؤدي إلى نمو غير مضبوط. لم تظهر أي أبحاث أن الصيام يستطيع القضاء على الخلايا السرطانية أو تقليص الأورام لدى البشر.


أبحاث الاستقلاب الواعدة و حدودها


يوجد اهتمام علمي بكيفية تأثير الاستقلاب في السرطان، إذ يستكشف الباحثون إن كان تقييد السعرات الحرارية أو حميات الكيتو قد يجعل الخلايا السرطانية أكثر حساسية للعلاج بينما يحمي الخلايا السليمة. ما تزال هذه الدراسات في مراحلها الأولى وتركز على الدقة، لا على الحرمان. ولا تتضمن أي منها تجويع الجسم من جميع المغذيات لأسابيع.


تخلط الادعاءات المثيرة بين الفرضيات والدليل، ما يمنح المرضى الضعفاء أملًا زائفًا بانتقاء الحقائق، فنتذكر دور الصيام في إصلاح الخلايا بينما نتجاهل التفصيل الحاسم بأن معظم النتائج مستمدة من نماذج حيوانية، لا من تجارب بشرية.


بالنسبة إلى شخص يخضع لعلاج السرطان، فإن محاولة الصيام القاسي غير الخاضع للإشراف قد تزيد الآثار الجانبية سوءًا، أو حتى تعرض حياته للخطر. فالصيام عامل إجهاد فيزيولوجي، وإذا كان بجرعات صغيرة ومضبوطة، قد يطلق عمليات تكيفية تفيد الصحة. أما عند الإفراط، خاصة في أثناء المرض، فقد يسبب الضرر. وعليه، صيام الماء مدة 21 يومًا ليس علاجًا محتملًا ولا آمنًا للسرطان.


في حين قد تدعم مختلف العوامل -التغذية المتوازنة، والترطيب، والنشاط البدني المنتظم، والنوم الكافي- مرونة الجسم في أثناء علاج السرطان، فإن أيًا منها لا يمكن أن يحل محل العلاجات الطبية المصممة لاستهداف بيولوجيا الورم. يتطلب علاج السرطان أكثر من كوب من الماء وإرادة قوية، فهو يتطلب تدخلات موجّهة قائمة على الأدلة، مثل العلاج الكيميائي والعلاج الإشعاعي والعلاج المناعي والجراحة.


تساعدنا أبحاث الصيام على فهم كيفية استجابة الخلايا للتغذية والإجهاد، وتساعدنا أيضًا على فهم الروابط العميقة بين الاستقلاب والمرض، لكن هذه المعارف تظهر مدى تعقيد الصيام ولا تدعم كونه علاجًا.


من المفهوم أن الناس يبحثون عن الأمل عندما يواجهون شيئا مخيفًا كالسرطان. وغالبًا ما تنبع الرغبة في البدائل من الخوف أو الإحباط أو الرغبة في تجنب العلاجات المؤلمة. لكن الأمل لا ينبغي أن يستند إلى معلومات مضللة.



المصادر:


الكاتب

مايا نور الدين

مايا نور الدين
تدقيق

محمد حسان عجك

محمد حسان عجك
مراجعة

أكرم محي الدين

أكرم محي الدين



مقالات مختارة

إقرأ المزيد

لا يوجد مقالات مرتبطة