يعد الموت جزءًا طبيعيًا وأساسيًا من الحياة. ولبعض العمليات -حتى الانقراض- فوائد تتمثل بتمهيدها لبدء حياة جديدة.

يدعو الطبيب كيفن فينوتي، محاضر في الطب الشرعي في جامعة كينت، العملية التي تلي الموت باسم نظام التحلل الإيكولوجي، وهو سلسلة معقدة من العمليات التي تحلّل الجسم وتحوّله إلى هيكل عظمي، تعرف هذه العملية أيضًا بعملية الهيكلة.

ماذا يحصل بعد الموت؟

يقول الطبيب كيفن فينوتي حول ذلك: «تبدأ عملية التحلل بعد فترة وجيزة من الموت، ويجب التنويه إلى أن الموت لا يحدث في لحظة واحدة. بل يتمثل بعدد من التفاعلات والعمليات التي تتطلب وقتًا».

بدايةً يفقد المرء وعيه، يلي ذلك ضيق في تنفسه وتباطؤ في معدل ضربات القلب لديه حتى توقفها. قد يحدث فقدان الوعي في بعض الحالات نتيجةً لتوقف العمليتين السابقتين. يطلق مصطلح “الموت السريري” في كلتا الحالتين السابقتين. يُعدّ انعاش المريض من هذه المرحلة من الموت أمرًا ممكنًا، حتى أنه قد يعاد إنعاشه أكثر من مرة.

تكمن المشكلة في المرحلة التي يتوقف القلب فيها عن ضخ الدم، أي حين يتوقف الأكسجين عن الانتشار في الجسم، فلا تملك الخلايا حينها إلا كمية قليلة من الأكسجين لتنتج مصدر طاقتها، الذي يعرف بالأدينوزين ثلاثي الفوسفات (ATP). فتلجأ الخلايا إلى عملية التنفس اللاهوائي كي تشكل الطاقة اللازمة لها لأداء عملها فور نفاد الأكسجين منها.

يتميز التنفس اللاهوائي بأنه عملية منتجة للطاقة بشكل غير كفوء، إذ يتشكل بعد فترة قصيرة من بدئها حمض اللاكتيك منتجًا ثانويًا لها ويبدأ بالتراكم، وهو أمر يعرفه جيدًا كل من عانى من تشنج عضلي أثناء ممارسته الرياضة.

تتوقف آلية النقل الخلوي فور نفاد الأدينوزين ثلاثي الفوسفات، ما يمنع الخلية من تبادل المواد بينها وبين الوسط خارج الخلية. تبدأ الشروط الداخلية في الخلية حينها بالتدهور. تزداد بعدها حموضة الوسط، ما يؤدي إلى تحلل الليزوزومات في الخلية. تتحرر الإنزيمات من الليزوزومات فور تحطم جدرانها، التي تؤذي بدورها الخلية بحد ذاتها.

تنتهي المرحلة هذه بتمزق الخلية، ما يعرف بالتنخر الخلوي، تختلف هذه المرحلة عن الموت الخلوي المبرمج. يُفسر ذلك كون الموت الخلوي المبرمج قابلًا للعكس، بينما يعد التنخر (أو التحلل الذاتي) عملية غير قابلة للعكس.

تتفاقم المشكلة حين تخرج الليزوزومات والسموم إلى الوسط خارج الخلية، وتبدأ بأذية الخلايا المحيطة، التي بدورها تعاني من الإجهاد الداخلي والضرر ذاته، هكذا تبدأ سلسلة الموت الخلوي.

يؤثر ذلك على الأنسجة الغنية بالأكسجين والحاوية على أكبر كمية من المياه أولًا، مثل الدماغ، والمعدة، والرئتين. يعد الدماغ أول الأنسجة المتوقفة عن العمل في هذه الأحوال ذلك لأنه يتطلب الكثير من الطاقة، إذ يحتاج حوالي 20% من الغلوكوز الذي يدخل إلى الجسم.

تستغرق عملية تضرر الدماغ 4 دقائق. يمتلك المريض على ذلك حوالي 4 دقائق فقط قبل أن تبدأ خلايا دماغه بالموت، تعد هذه العملية غير قابلة للعكس. يمر المريض بمرحلة الموت الدماغي فور تضرر كمية كافية من الخلايا في الدماغ وموتها.

تستطيع بعض الأجهزة الأخرى في الجسم مقاومة نقص الأكسجين، وتستمر في العمل فترة طويلة نوعًا ما. تفشل أجهزة الجسم المختلفة رغم ذلك في محاولاتها في تحصيل التوازن وتنهارفور فقدان التحكم العصبي.

تعد هذه المرحلة، من وجهة نظر كيميائية حيوية، التعريف الحقيقي للموت. ويتمثل ذلك في فشل الأنظمة البيولوجية الحيوية في استعادة التوازن الكيميائي في الجسم. تعد كل مرحلة تلي ذلك محاولة لاستعادة حالة التوازن.

يتوقف الجهاز المناعي عن العمل فور توقف الأجهزة الحيوية في الجسم. تتحرر البكتيريا الموجودة طبيعيًا في الأمعاء، التي يفوق عددها عدد خلايا الجسم بمعدل 20 جرثومة مقابل كل خلية بشرية واحدة، نتيجة تثبيط المناعة السابق، وتشرع باستهلاك الأنسجة.

تنتقل الجراثيم عبر بطانة الجهاز الهضمي وصولًا إلى المجرى الدموي حيث تنتشر إلى جميع أنحاء الجسم. تستهلك حينها البكتيريا الركائز الموجودة في الجسم، بدءًا من السكريات الموجودة على أسطح الخلايا، التي ترتشحها الخلايا بحد ذاتها.

تتجه بعدها الجراثيم لاستهداف الكربوهيدرات والشحوم، إذ تعد هذه المرحلة هي الأكثر تعقيدًا، والبداية الحقيقية لعملية التحلل.

ينتج عن استقلاب هذه المواد مجموعة واسعة من المركبات الثانوية التي تعرف بالمركبات العضوية المتطايرة، التي تتمثل رائحتها بما ندعوه الموت.

تعود رائحة الأجسام الميتة، إن كانت بشرية منها أو حيوانية، إلى هذه المركبات العضوية المتطايرة. تعرف البشر لحد الآن على حوالي 400 إلى 500 نوع من هذه المركبات، التي تجذب بدورها الحشرات تجاه الجسم الميت.

اقرأ أيضًا:

ما الذي يحدث للدماغ البشري في أثناء تجربة الاقتراب من الموت؟

النشاط الدماغي الواعي في عقول المحتضرين قد يفسر تجارب الاقتراب من الموت

ترجمة: رهف وقّاف

تدقيق: فاطمة جابر

المصدر