بنية مجرية طولها 23 مليون سنة ضوئية!
يزخر كوننا الشاسع ببنى كونية ضخمة يصعب تصور حجمها. وعندما يتعلق الأمر بالمجرات، فقد أعاد اكتشافان خلال السنوات الخمس الماضية تعريف معنى كلمة ضخم. إحدهما بنية مجرية يعادل امتدادها تقريبًا 140 مجرة درب التبانة مصطفة جنبًا إلى جنب. ما هذه البنية المجرية؟ وكيف اكتشفت؟ وما دلالات هذا الاكتشاف؟ نعرف ذلك في هذا المقال.
بورفيريون: بنية مجرية عملاقة
عام 2024، رصد باحثون إشارات راديوية غير مألوفة كشفت عن وجود بنية مجرية هائلة تمتد عبر الفضاء لمسافة 23 مليون سنة ضوئية (7 ميغابارسيك). تتكون هذه البنية من زوج نفاثات عملاقة يقذفه ثقب أسود فائق الكتلة يوجد، على الأرجح، في مركز المجرة.
سميت هذه البنية تيمنًا ببورفيريون، ملك العمالقة في الأساطير اليونانية، وهي تبعد عنا نحو 7.5 مليار سنة ضوئية.
اكتشفت باستخدام بيانات جمعها مرصد لوفار الأوروبي، وهو شبكة تداخل راديوي تضم نحو 20 ألف هوائي راديوي موزعة على 52 موقعًا في أنحاء أوروبا.
قال عالم الفلك مارتين أوي من جامعة لايدن الهولندية ومعهد كاليفورنيا للتقنية، المؤلف الرئيس للدراسة المنشورة في مجلة نيتشر: «يظهر بورفيريون أن الأشياء الصغيرة والأشياء الكبيرة في الكون مترابطة ارتباطًا وثيقًا. فنحن نشاهد ثقبًا أسود واحدًا ينتج بنيةً بحجم يماثل حجم الخيوط والفراغات الكونية تقريبًا».
«إذا صغرنا النفاثات إلى حجم الأرض، وصغرنا الثقب الأسود بالنسبة نفسها، سيصبح حجم الثقب الأسود نحو 0.2 مليمتر فقط، أي بحجم أميبا أو عثة دقيقة تعيش على جلد الإنسان. مع ذلك، سيكون هذا الجسم الصغير قادرًا على إطلاق نافورة هائلة من الطاقة بحجم كوكب الأرض بأكمله».
عند اكتشافه، كان بورفيريون أكبر بنية مجرية معروفة في الكون. لكن رقمه القياسي لم يدم طويلًا، إذ اكتشف العلماء لاحقًا في نفس العام مجرة راديوية أخرى تعرف باسم TXS 0033+252، تمتد نفاثاتها لمسافة 26 مليون سنة ضوئية، لتصبح صاحبة الرقم القياسي الجديد.
ألغاز البنى المجرية الراديوية العملاقة
ما زال العلماء لا يعرفون سوى القليل عن البنى المجرية الراديوية العملاقة. إنها تتكون من مجرة مضيفة تضم مجموعة من النجوم تدور حول نواة تحتوي على ثقب أسود فائق الكتلة، إضافة إلى نفاثات وفصوص هائلة تنطلق من مركز المجرة.
تتفاعل هذه النفاثات مع المادة الموجودة بين المجرات، وتعمل بطريقة ما بوصفها مسرعات للجسيمات، فتزيد سرعة الإلكترونات التي تنتج الانبعاثات الراديوية.
مع أن هذه الظاهرة شائعة نسبيًا، فحتى درب التبانة تمتلك أيضًا فصوصًا راديوية، ما زال العلماء يجهلون السبب الذي يجعل نفاثات بعض المجرات تنمو إلى أحجام هائلة تمتد ملايين السنين الضوئية.
تحديات تفرضها هذه البنية المجرية
تضع نفاثات بورفيريون عدة تحديات أمام العلماء:
أولها أن إنتاج نفاثات بهذا الحجم يتطلب أن يتغذى الثقب الأسود باستمرار على المادة مدةً تقارب مليار سنة، ما يعني وجود خزان هائل من المادة يغذيه طوال هذه الفترة.
مع أن هذا السيناريو ليس مستحيلًا، فإنه يعد غير مألوف، حتى وإن كانت هذه الهياكل العملاقة دليلًا على حدوثه بالفعل.
أما التحدي الثاني فيتعلق بطول النفاثات نفسها. فعندما ننظر إلى بورفيريون، فإننا نراه كما كان قبل 7.5 مليار سنة، في زمن كان فيه الوسط بين المجرات أكثف مما هو عليه اليوم.
ومع ازدياد طول النفاثة، تصبح أكثر عرضة لعدم الاستقرار، وفور ظهور أي اضطراب فيها، يفترض نظريًا أن تنهار وتتفكك. ومع ذلك، تمكنت نفاثات بورفيريون من الحفاظ على تماسكها والوصول إلى أحجام هائلة، وهو ما لا يزال يحير علماء الفلك.
البنى المجرية والشبكة الكونية
تمتد الشبكة الكونية عبر جميع حقب الزمكان، وهي نظام هائل من الخيوط يتكون من المادة المظلمة التي تجمع المجرات بفعل الجاذبية، إضافة إلى عقد عناقيد المجرات حيث تلتقي هذه الخيوط، والفراغات الشاسعة الواقعة بينها.
يبلغ طول نفاثات بورفيريون وفقًا لحسابات الفريق، ما يعادل تقريبًا 66% من نصف قطر الفراغ الكوني الذي كانت تقع فيه المجرة آنذاك.
هذا يشير إلى أن هذه النفاثات العملاقة قد تؤدي دورًا في تشكيل الشبكة الكونية.
يقول الباحثون إنها قد تكون مسؤولة عن درجات الحرارة المرتفعة على نحو غير معتاد، التي رُصدت في الفراغات الكونية، وكذلك عن تراكيب المجالات المغناطيسية الموجودة فيها. وربما تكون هذه النفاثات هي أساس تلك السمات.
يحمل هذا أهمية خاصة، لأن الثقب الأسود الذي يغذي بورفيريون ينتمي إلى نوع كان أكثر شيوعًا في الكون المبكر. وتتمثل إحدى الفرضيات في أن الكون المبكر كان يضم عددًا أكبر بكثير من النفاثات العملاقة مما نتصور، وأنها أدت دورًا مهمًا في نحت الشبكة الكونية.
إن عدد النفاثات العملاقة التي اكتشفت حتى الآن محدود بقدرات أجهزتنا الرصدية. وكلما ازداد حجم أنظمة النفاثات العملاقة وبعدها ازدادت صعوبة رصدها.
ومع تحسن هذه الأجهزة خلال السنوات القليلة المقبلة، يتوقع الباحثون اكتشاف عدد أكبر بكثير من البنى المجرية ذات النفاثات العملاقة.