تقنية جديدة تحول النفايات البلاستيكية إلى وقود طائرات بتكلفة منخفضة
يُعد قطاع الطيران من أكثر القطاعات إسهامًا في انبعاثات الغازات الدفيئة المسببة لتغير المناخ على مستوى العالم. من بين الإستراتيجيات المقترحة للحد من هذه الانبعاثات أو تعويض آثارها على الأقل، استبدال وقود الطائرات التقليدي ببديل أكثر استدامة يُنتج من النفايات البلاستيكية، التي تُمثَّل بدورها أحد أبرز مصادر التلوث البيئي.
في هذا السياق، نجح باحثون من جامعة نانجينغ وجامعة تسينغهوا وعدد من المؤسسات البحثية الأخرى، في تحويل النفايات البلاستيكية إلى وقود للطائرات.
أوضح الباحثون أن هذه العملية تعتمد على تفكيك البلاستيك عند درجات حرارة مرتفعة في وجود الهيدروجين، باستخدام محفز جديد صُمم خصيصًا لتسريع التفاعلات الكيميائية اللازمة وتحسين كفاءتها.
صرّح الأستاذان يادونغ لي ودينغشنغ وانغ: «يعمل فريقنا البحثي منذ عدة سنوات على دراسة التحلل الهيدروجيني للبلاستيك من منظور تصميم المحفزات، بالتزامن مع ظهور جيل جديد من المحفِّزات المعتمدة على المواقع الذرية المفردة. وكان التحدي الذي واجهناه باستمرار يتمثل في الانتقائية. إذ تؤدي عمليات الهدرجة التقليدية للبلاستيك غالبًا إلى إنتاج مزيج واسع ومتعدد من المركبات يصعب التحكم في توزيعه. لذلك سعينا لمعرفة ما إذا كان تصميم المركز النشط للمحفز على المستوى الذري قد يمنحنا أخيرًا القدرة على توجيه هذه العملية والتحكم في نواتجها بدقة أكبر».
مُحفز جديد لإعادة تدوير البلاستيك
لم تكن عملية البحث سهلة، فقد تضمنت عدة سنوات من العمل المكثَّف، وشكلت جُهدًا تعاونيًا واسع النطاق شارك فيه باحثون من مؤسسات علمية مختلفة في الصين. كان من أبرز المساهمين في الدراسة البروفيسور جون لي، المتخصص في حسابات نظرية دالة الكثافة، والبروفيسور جيانتشون جيانغ.
اعتمدت الدراسة على نتائج أبحاث سابقة للفريق ركزت على تحويل البوليسترين، أحد أكثر أنواع البلاستيك استخدامًا ومساهمةً في التلوث البيئي، إلى مواد كيميائية قيّمة عبر عملية تُعرف باسم الانحلال الحراري متبوعًا بالتحلل الهيدروجيني.
خلال الدراسات السابقة، لاحظ الباحثون أن مواقع الروثينيوم الموزعة على المستوى الذري داخل المحفزات أظهرت أنماطًا مختلفة من الانتقائية في تفاعلات التحلل الهيدروجيني، تبعًا للبيئة الكيميائية المحيطة بهذه المواقع.
قال الباحثان: «بعد اختبار مجموعة من المحفزات المختلفة، وجدنا أن مواقع الروثينيوم المعزولة على أكسيد الكوبالت والألومنيوم قادرة على هدرجة الستايرين وتحويله إلى إيثيل سيكلوهكسان عند ضغوط قريبة من الضغط الجوي».
«يتحلل البوليسترين حراريًا إلى وحدات أحادية -مونومرات- ومركبات قليلة الوحدات -أوليغومرات- ثم تخضع هذه النواتج لعمليات تحلُّل هيدروجيني عالية الكفاءة على مواقع الروثينيوم. ما أثار دهشتنا أن هذا المسار المتتابع أتاح إنتاج وقود طائرات مشتق من النفايات البلاستيكية يتمتع بخصائص تشغيلية واعدة وجدوى اقتصادية حقيقية».
استنادًا إلى نتائج أبحاثهم السابقة، صمم البروفيسوران لي ووانغ وزملاؤهما محفزًا جديدًا يتمتع بقدرة أكبر على تعزيز التفاعلات الكيميائية اللازمة لتحويل النفايات البلاستيكية إلى هيدروكربونات تُستخدم في إنتاج وقود الطائرات. اختبر الباحثون هذا المحفز داخل جهاز يُعرف باسم مفاعل التدفق الأنبوبي المتتابع، وهو نظام يتكون من مفاعلين أو أكثر متصلين على التوالي، بحيث تنتقل المواد الناتجة من أحدهما إلى التالي مباشرةً.
أوضح البروفيسوران لي ووانغ: «تدخل المواد البلاستيكية أولًا من خلال المفاعل الأول الذي تبلغ درجة حرارته 460⁰ درجة مئوية، إذ تؤدي عملية الانحلال الحراري الهيدروجيني إلى تفكيكها إلى مركبات وسيطة صغيرة الجزيئات. وتطفو بعد ذلك الأبخرة الناتجة إلى محفز آخر بدرجة حرارة 160⁰ درجة مئوية، الذي يتحول إلى وقود طائرات عالي الكثافة وغني بالألكانات الحلقية. تعتمد إستراتيجيتنا التحفيزية على ضبط البنية الإلكترونية لمراكز الروثينيوم الموزعة على المستوى الذري للتحكم في كل من نشاط التفاعل وانتقائية نواتجه في أثناء التحلل الهيدروجيني للبلاستيك. أظهر هذا النهج كفاءةً تفوق محفز الروثينيوم التجاري المدعوم بالكربون في خطوة الهدرجة الأساسية».
حلول واعدة للحد من المخلفات البلاستيكية
تسلط نتائج الدراسة الضوء على الإمكانيات المتعددة للمحفزات ذات المواقع الذرية المفردة في توجيه التفاعلات الكيميائية المرغوبة، لا سيما في تحويل النفايات البلاستيكية إلى هيدروكربونات قيمة. ومع الارتفاع الملحوظ في أسعار وقود الطائرات خلال السنوات الأخيرة، قد يوفر إنتاج هذا الوقود من النفايات البلاستيكية مصدرًا اقتصاديًا مُستدامًا.
«مقارنةً بالنهج التقليدي المعتمد على المفاعلات الدفعية عالية الضغط، يمثل مفاعل التدفق الأنبوبي المتتابع المقترن بمواقع الروثينيوم المفردة والموزعة ذريًا بديلًا واعدًا وأكثر عملية».
«اختبرنا أيضًا إمكانية توسيع نطاق إنتاج المحفز، إذ أعددنا المُحفز وقيمنا أداءه بمقياس الكيلوجرامات، وأظهرت النتائج أن كلًا من المحفز وخطوة الهدرجة عند الضغط القريب من الضغط الجوي يحتفظان بنفس كفاءتهما عند التوسع. وأظهر تحليل الجدوى التقنية والاقتصادية أن الحد الأدنى التنافسي لسعر البيع يتراوح بين 1.0 و1.8 دولار أمريكي للكيلوجرام الواحد، وهو سعر يتمتع بقدرة تنافسية حقيقية».
قد يخضع المحفز الجديد الذي طوره الباحثون لاختبارات إضافية باستخدام أنواع أخرى من البلاستيك أو تجهيزات مختلفة. مستقبلًا، قد يُسهم هذا النهج في الحد من التلوث الناتج من النفايات البلاستيكية، إلى جانب توفير وسيلة بديلة لإنتاج وقود الطائرات مستدام على نطاق صناعي واسع.
المصادر:
الكاتب
محمد اسماعيل
