توأمك الرقمي قد يتولى قريبًا اختبار صحتك النفسية وعلاجها!
عندما نسمع كلمة توأم، يتبادر إلى أذهاننا عادة شخصان متطابقان يشتركان في الصفات الجسدية، وربما بعض السلوكيات أو الطباع.
لكن في عالم التكنولوجيا، تحمل هذه الكلمة معنى مختلفًا تمامًا، إذ تشير إلى مفهوم ثوري لا يزال قيد الاستكشاف: التوأم الرقمي.
التوأم الرقمي هو نسخة افتراضية من نظام حقيقي، نموذج ديناميكي يُغذى ببيانات آنية ليحاكي سلوك ما يمثله بدقة. يمكن تشبيهه بمرآة ذكية لا تعكس الحالة فحسب، بل تتعلم من كل حركة لتتنبأ بالحركة التالية.
استُخدم هذا النوع من التكنولوجيا في مجالات متعددة منذ سنوات. فهو يساعد، مثلًا، على توقع الأعطال التي قد تصيب الطائرات قبل حدوثها، وفي تحسين أداء المصانع بالكامل، وتصميم سيارات تتعلم من بيانات القيادة لدى آلاف المستخدمين.
حديثًا، بدأ تطبيق هذه التكنولوجيا في الزراعة، ما حقق تقدمًا كبيرًا في التنبؤ بتأثير التغيرات المناخية والطبيعية على المحاصيل.
أما في الطب، فقد أحدثت التوائم الرقمية ثورة حقيقية. إذ توجد نماذج رقمية للقلب تحاكي عمل قلب كل مريض بتفاصيل مدهشة، ما يسمح للأطباء بتوقع كيفية استجابة قلب معين لاضطراب أو علاج محدد، دون تعريض المريض لأي خطر.
هذا الدمج بين النمذجة الافتراضية والبيانات السريرية يمهّد الطريق لطب أكثر قابلية للتوقع ومن ثم أكثر أمانًا، إذ تستند القرارات العلاجية إلى الخبرة الطبية وإلى محاكاة ما قد يحدث لتوأم المريض الرقمي.
لكن، ماذا لو طُبّق هذا المفهوم على الدماغ البشري؟
من المصانع إلى الأدمغة
يُعد كل من الإدراك والصحة النفسية من ركائز الرفاه الإنساني، لكنهما في الوقت ذاته مجالان هشّان. فالتدهور المرتبط بالعمر، والاكتئاب، والقلق، والاضطرابات العصبية التنكسية، ما زالت تمثل تحديات كبرى أمام الطب الحديث.
هنا يبرز الذكاء الاصطناعي نافذةً جديدة للأمل. فبفضل قدرته على دمج كميات ضخمة من البيانات وتحليلها، يمكنه المساعدة على الكشف المبكر عن الأمراض، وتحسين اختيار المرضى للتجارب السريرية، ومحاكاة تطور حالة كل فرد بواسطة توأم رقمي معرفي.
يسمح هذا النهج بالبقاء خطوةً أمام التدهور، وتصميم تدخلات علاجية مخصصة، وتسريع تطوير علاجات أكثر أمانًا وفعالية.
حديثًا طوّر فريق من العلماء إطارًا جديدًا للتعامل مع الصحة العقلية والمعرفية للأفراد بواسطة مفهوم التوائم المعرفية الرقمية.
هذه التوائم هي تمثيلات افتراضية تدمج بيانات من نشاط الدماغ والسلوك، والعادات اليومية، والاستجابات العاطفية. اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي، يمكن لهذه النماذج الديناميكية أن تتعلم وتتطور مع كل تفاعل جديد.
يتخيل الباحثون مستقبلًا يمتلك فيه كل شخص توأمه المعرفي الرقمي، الذي يستطيع التنبؤ بكيفية تطور الذاكرة أو مدى التركيز، واقتراح أنشطة شخصية لتدريب الدماغ قبل ظهور أي مشكلة خطيرة.
توظيف التقنيات القائمة
يكمن مفتاح هذه الثورة في دمج الأجهزة التي نستخدمها بالفعل، مثل الساعات الذكية، وأجهزة تتبع النشاط، وحساسات النوم، لتوفير تدفق مستمر من المعلومات حول أجسامنا.
بيانات مثل معدل ضربات القلب، وجودة النوم، ومستوى النشاط، ومؤشرات التوتر، قد تغذي في الوقت الفعلي توأما رقميًا يتعلم من هذه الإشارات ويكيّف توصياته أو تدريباته الذهنية تبعًا لحالتنا الجسدية والنفسية في كل لحظة.
سيكون دور الذكاء الاصطناعي أشبه بقائد أوركسترا، ينسّق البيانات ويحوّلها إلى نظام لا يستجيب فحسب، بل يتوقع احتياجاتنا قبل ظهورها.
تدريب عقلي مخصص
حتى الآن، اقتصر ما يُعرف بتدريب الدماغ الرقمي على ألعاب ترفيهية ذات فوائد محدودة. أما التوائم المعرفية فهي شيء مختلف تمامًا. فهي ليست مجرد تمارين عامة، بل منظومات ديناميكية تتكيف في الوقت الفعلي مع كل فرد، تحت إشراف مختصين صحيين، واستنادًا إلى أدلة علمية موثوقة.
يمثل هذا تحولًا جذريًا من نموذج مقاس واحد يناسب الجميع إلى طب شخصي ووقائي بحق.
لكن، كما هو الحال مع أي تقدم تكنولوجي، توجد تحديات لا بد من التعامل معها. فالتوائم الرقمية في هذا المجال يجب أن تُبنى بما يضمن خصوصية البيانات، وأن تكون قرارات الخوارزميات شفافة وأخلاقية. وينبغي ألا نغفل الفجوة الرقمية التي قد تُقصي كبار السن أو من يفتقرون إلى الوصول إلى التكنولوجيا.
مع ذلك، لا ينبغي أن تطغى هذه المخاوف على الفوائد المحتملة، إذ أظهرت دراسة تحليلية حديثة أن استخدام التكنولوجيا يسهم في الوقاية من التدهور المعرفي وتأخيره، سواءً الطبيعي منه أو المرضي.
المصادر:
الكاتب
لور عماد خليل

ترجمة
لور عماد خليل
