جسيمات لا وجود لها قد تكون مفتاحًا لفهم الواقع
ليس غريبًا على العلماء استخدام الرياضيات بذكاء وإبداع، وهذا ما يفعله علماء الفيزياء عند التحدث عن الجسيمات الافتراضية، فهي مجرد أداة رياضية لاستكشاف العمل الداخلي للجسيمات دون الذرية، فما المقصود بذلك؟
تمتاز الجسيمات دون الذرية بسلوك غريب، وبدون الجسيمات الافتراضية يبقى ما يحدث لها ضمن الذرات بلا تفسير، و باستخدامها تتنبأ العمليات الحسابية بهذا السلوك الغريب بدقة متناهية تجعل العلماء يعتقدون أن هذه الجسيمات لها وجود حقيقي!
لكنها كما وضحنا غير حقيقية واسمها يصفها، ومع ذلك لا مفر من استخدامها إذا أردنا فهم كيفية تفاعل الجسيمات الحقيقية مع بعضها، فتصف هذه الأداة القوى الثلاث المتحكمة في الطبيعة: القوى النووية القوية، والقوى النووية الضعيفة، والقوى الكهرومغناطيسية.
تُعد الجسيمات الحقيقية كتل ملموسة من الطاقة بوسعنا رؤيتها أو رصدها بأدوات مخصصة تجعلها قابلة للرصد ومعرفة كونها حقيقية ، من جهة أخرى ، فالجسيمات الافتراضية محض أداة رياضية معقدة لا يمكن رؤيتها، وقد اخترعها عالم الفيزياء الشهير ريتشارد فاينمان لوصف التفاعلات بين الجسيمات الحقيقية.
لكن الكثير من علماء الفيزياء غير مقتنعين بهذا الفصل النهائي، ويصعب عليهم التعامل مع هذه الجسيمات الافتراضية بوصفها أدوات للعمليات الحسابية فقط، لأنها تتوقع الكثير من الأثر الخفي الذي تؤكده التجارب فائقة الحساسية بدقة فائقة، فمن المذهل حقًا أن تصل إلى 12 خانة عشرية التي تكافئ قياس المسافة بين القطب الشمالي والجنوبي بخطأ لا يتجاوز سمك شعرة واحدة.
هذا المستوى من التوافق بين أدوات القياس والحسابات تجعل الجسيمات الافتراضية أكثر الطرق دقة وحساسية في العلوم جميعًا، وهذا يفرض تساؤلًا بين علماء الفيزياء: أقد تصبح هذه الأداة الرياضية حقيقية؟
أداة للقياس والمحاسبة
تسمح الجسيمات الافتراضية بحساب القوى في العالم المجهري دون الذري ومعرفة آلية عملها مع بعضها. تُعد هذه القوى حقيقية لأننا نستطيع قياسها بطريقة غيرة مباشرة، إذ يستخدم علماء الفيزياء نظامًا محاسبيًا يسمح للجسيمات الافتراضية ذات العمر القصير بحمل القوى.
يسمح نظام الجسيمات الافتراضية هذا بإدارة الحسابات بسهولة أكبر، ليس ذلك فحسب، بل يحل أيضًا مشكلة مستعصية في الفيزياء وهي كيفية تأثير هذه القوى في الفراغ.
تستغل الجسيمات الافتراضية الطبيعة الضبابية للعالم دون الذري، إذ تعيش هذه الجسيمات سريعة الزوال بما يكفيها ويسمح لها باستعارة الطاقة من الفراغ لوقت قصير، إذ أنّ هذه الضبابية في اتزان الطاقة يخفي عدم التوازن القصير الذي يتيح للجسيمات الافتراضية التأثير في العالم الحقيقي.
من ميزات هذه الأداة أن العمليات الرياضية التي تصف القوى بين الجسيمات يمكن تمثيلها في بمخططات بيانية بسيطة (تبدو الجسيمات بأشكال كرتونية تتبادل مع الجسيمات الافتراضية)، وتوفر هذه الرسومات (المسماة بمخططات فاينمان) إطار عمل حدسي ممتاز، لكنها أيضًا مخادعة قليلًا لأنها تمنح الجسيمات الافتراضية صبغة من الحقيقة. لكن من أهم الميزات أن الحسابات المعتمدة على الجسيمات الافتراضية تصف بعضًا من أكثر التنبؤات دقة في كل العلوم.
التأكد من الحقيقة
تتكون جميع المواد من وحدات بناء أساسية هي الذرات، التي تتكون بدورها من جسيمات صغيرة ذات شحنات موجبة تسمى البروتونات وتوجد في النواة، ويحيطها جسيمات صغيرة أيضًا ذات شحنات سالبة تسمى الإلكترونات.
وبحسب ما قاله أستاذ مختص في علم الفيزياء والفضاء ديبانغكار دوتا في جامعة المسيسيبي، كثير من التجارب قائمة على إمكانية رصد المعدات لتبادل البروتونات والإلكترونات للجسيمات الافتراضية للتفاعل فيما بينهما.
ومن أمثلة تلك التجارب تعاونه مع الفريق للقياس الدقيق لحجم البروتون بقصف ذرة الهيدروجين بشعاع من الإلكترونات، فهذا القياس يفترض إمكانية (شعور) الإلكترون بالبروتون في مركز ذرة الهيدروجين بتبادل فوتونات افتراضية: جسيمات الطاقة الكهرومغناطيسية.
ويستخدم العلماء الجسيمات الافتراضية أيضًا لحساب كيفية تنافر إلكترونين عن بعضهما بدقة متناهية فاتنة، وهنا تُمَثَّل القوى بوصفها تراكم تأثير تبادل الفوتونات الافتراضية بين إلكترونين.
وعند وضع لوحين معدنيين قريبًا جدًا من بعضهما في الفراغ، نجد أنهما يجذبان بعضهما فيما يُعرف بتأثير كاسيمير. ويستخدم علماء الفيزياء رياضيات الجسيمات الافتراضية لحساب القوى التي تسحب اللوحين المعدنيين إلى بعضهما.
ويُعد إشعاع هوكينج أيضًا من التنبؤات الغامضة التي تستخدم الجسيمات الافتراضية، فعندما تنبثق الجسيمات الافتراضية إلى الوجود عند حافة الثقوب السوداء، تسحب جاذبية الثقب الأسود أحد الجسيمين أحيانًا بينما يهرب الآخر، وهذا الشرخ يتسبب في تبخر الثقب الأسود ببطئ. ومع إن إشعاع هوكينج لم يُرصد مباشرةً حتى الآن، فقد رصده الباحثون بطريقة غير مباشرة.
خيال مفيد
بالعودة خطوة إلى الوراء والتساؤل : أقد تصبح هذه الأداة الرياضية حقيقة؟ إذا تمكنا من التنبؤ بكل شيء يخص القوى بدقة بتخيّل جسيمات افتراضية تحملها، فهل هذه الجسيمات مؤهلة لتصبح حقيقية؟ هل يهم أنها متخيلة؟
ما زال العلماء منقسمين بين هذه الأسئلة، وبعضهم يفضّل الصمت والشروع في العمليات الحسابية (بحسب تهكمات فاينمان). تُعد طريقة الجسيمات الافتراضية أفضل طرقنا لوصف كيفية تصرف هذه الجسيمات حتى الآن، لكن يطوّر العلماء طرقًا بديلة لا تعتمد عليها إطلاقًا. إذا نجحت هذه المساعي قد نتخلص من الجسيمات الافتراضية إلى الأبد، وترجّح هذه البدائل أن الجسيمات الافتراضية مجاز مفيد أكثر من كونها حقيقة فيزيائية.
نرى هذا النمط مرارًا في الثورات العلمية، فقد اخترع العلماء الأثير بوصفه وسطًا تنتقل فيه موجات الضوء، وأثبتت التجارب والحسابات صحته لكنه بقي غير قابل للكشف إلى أن جاءت النظرية النسبية لآينشتاين لتظهر أنه ليس ضروريًا.
وكذلك الأمر مع الجسيمات الافتراضية التي تشكل مُفارقة في الفيزياء الحديثة، فلا ينبغي لها الوجود لكن لا غنى عنها في حسابات كل شيء، من قوة المغانط وحتى سلوك الثقوب السوداء. وهنا تبدو المعضلة، فأحيانًا تأتي افضل رؤى الواقع من الوهم .
وفي نهاية المطاف قد يكون الالتباس حول الجسيمات الافتراضية هو الثمن الذي ندفعه لفهم القوى الأساسية في الكون. لكن سواء أكانت الجسيمات الافتراضية موجودة بالفعل أم لا، فإن الرياضيات تتوقع بالضبط ما يشاهده الباحثون في العالم الحقيقي.
المصادر:
الكاتب
أحمد صبري عبد الحكيم

تدقيق
محمد حسان عجك
